العلامات الحسان على حسن الاستعداد لشهر رمضان (7) المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
فكان القيام سلواهم في دنيا الفتن، ولا يحول بينهم وبينه سفر ولا مشقة: "عن أبي سفيان -رضي الله عنه- قال: "لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة، جاءتني هند فقالت: إني أريد أن أبايع محمدًا! وقد رأت أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أقاموا ليلة الفتح في المسجد الحرام يتهجدون، فقلتُ: قد رأيتك تكفرين! قالت: أي والله، والله ما رأيتُ الله عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبْل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياه الصحابة - البداية والنهاية - نقلًا عن رهبان الليل للشيخ العفاني) .
ولمَ لا؟ وقد علموا أن القيام مِن أشرف الأعمال في سائر العام؛ فكيف في رمضان؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِين قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني لغيره) .
- فهيا إلى التراويح والتهجد، واعلم أن التعب سيزول بعد قليل، وسيبقى الأجر الكثير!
المنزلة الخامسة: الإقبال على الصدقة:
الصدقة مِن أعظم المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان بعد الصيام والقرآن والقيام؛ ولذا كان سيد الصائمين يشتد بالصدقة في رمضان أكثر من غيره، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" (متفق عليه) .
وكذلك كان السلف الكرام يحرصون على الصدقة في رمضان، اقتداء بالنبي العدنان: فكان كثير منهم يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم: "عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل)، "وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين"، وقال بعضهم: "لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعامًا يشتهونه أحب إليَّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل".
ولمَ لا؟ وقد علموا فضل الصدقة، ومضاعفة أجرها: قال الله تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 261) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ولذا ... قم وأنفق في رمضان، يزيد رزقك في الدنيا، ويزيد أجرك في الآخرة، واعلم أن للصدقة في رمضان صور كثيرة، من أعظمها:
أ- إطعام الفقراء والمحتاجين الذين ينتظرون رمضان من العام إلى العام: قال الله تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (الإنسان: 8-12) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا ) (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني) .
ب- تفطير الصائمين يجعل لك الصيام مضاعفًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
خاتمة:
أقبل شهر المنافسة والفوز بالأجور، فهل مِن مشمِّر؟!
قم وتجهز ولا تنتظر، وانطلق مع السائرين للفوز برمضان ... جهِّز مصحفك، ووفِّر أسباب رزقك، واهجر الكسالى، واصدق الله، يرزقك مِن حيث لا تدري: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (الطلاق: 2- 3) .
وللحديث بقية في المرة القادمة -إن شاء الله-.
نسأل الله أن يرزقنا حسن العمل، وأن يجعلنا من الفائزين في رمضان.
