بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
يطلق مصطلح (يهود اليديشية) على يهود شرق أوروبا، وهو مصطلح شائع في الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية، (وهو مصطلح مطاط غير محدد، ولكنه يشير عادة إلى الجماعات اليهودية الموجودة في شرق ألمانيا، وفي بولندا وروسيا؛ ولذا فهو لا يتفق بالضرورة مع الحدود السياسية المعروفة بمنطقة شرق أوروبا في الوقت الحالي).
(وأصل المصطلح ألماني، يعبِّر عن أحساس يهود ألمانيا أنهم ينتمون إلى الغرب، وقد انتشر المصطلح مع القرن التاسع عشر وبداية حركة القومية السلافية) (راجع: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبد الوهاب المسيري) .
(والمصطلح استخدمه يهود إنجلترا من السفارد وغيرهم؛ للإشارة إلى المهاجرين الجدد من روسيا وبولندا، ويهود اليديشية يشكلون أغلبية يهود العالم، وتعود أصولهم إلى القرن الثاني عشر مع حروب الفرنجة، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان مع التجار الألمان، واستوطنت بولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة، وحملت معها لغتها وثقافتها الألمانية، وقد دخلت على لغتهم الألمانية بعض الكلمات السلافية والعبرية، ثم كتبوها بالحروف العبرية حتى أصبح يشار إليها باللغة اليديشية، وهي في واقع الأمر لهجة ألمانية وحسب، وأصبحت هذه اللهجة التي يقال لها: لغة، سمتهم الثقافية الأساسية التي حملوها معهم أينما ذهبوا، ومِن هنا كانت التسمية) (المصدر السابق) .
والبعض يرجع أصل يهود اليديشية إلى (ما يسميه هو (الدياسبورا الخزرية)، أي: تشتت أو انتشار يهود الخزر واستقرار أعداد منهم في شرق أوروبا، (وكان يهود شرق أوروبا يتحدثون اليديشية في وسط يتحدث إما البولندية وإما الأوكرانية، ويرتدون أزياء مميزة، ويؤمنون باليهودية في وسط يؤمن بالمسيحية (النصرانية)، وقد عاشوا في مدن صغيرة)، (وفرت لهم تربة يهودية يديشية معزولة نسبيا عن عالم الأغيار) (المصدر السابق بتصرف) .
وقد (بدأت وحدة يهود اليديشية وخصوصيتهم في التداعي ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، واستغرقت هذه العملية مرحلة زمنية طويلة امتدت حتى منتصف القرن العشرين، وانتهت باختفاء اللغة والثقافة اليديشية، ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم حضاريًّا واقتصاديًّا، وتحولهم من جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الروسي والبولندي إلى أعضاء في الطبقات الوسطى، وغيرها من الطبقات التي ينتمون إليها، وهذه المرحلة الزمنية هي في واقع الأمر مرحلة المسألة اليهودية التي كانت مسألة يهود شرق أوروبا بالدرجة الأولى) (المصدر السابق) .
وقد هاجرت أعداد كبيرة من يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ خصوصًا إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا في أوروبا، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والأرجنتين، وكوَّنوا الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد الذين كانوا جماعات يهودية صغيرة قبل وفود يهود اليديشية، والذي أدى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود؛ نظرًا لتخلفهم.
ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا؛ الأمر الذي أدى إلى طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوروبا، ومنها إلى وسطها فشرقها، وقد قام هرتزل بزيارته الأولى إلى إنجلترا لمناقشة موضوع يهود اليديشية، وكيفية التخلص منهم أو حل مسألتهم، وكانت المؤتمرات الصهيونية المتتابعة، وفي هذا المناخ ولد وعد بلفور.
تيودور هرتزل والدولة اليهودية:
تيودور هرتزل كاتب يهودي امتلأت نفسه بهموم اليهود في العالم، فوضع مشروعه لإقامة دولة قومية لليهود، ثم سعى بكل السبل لتحقيق ما خطط له، ونجح في تجميع جهود اليهود في العالم لتسير في هذا الاتجاه الذي أراده.
وُلِد هرتزل في مدينة بودابست بالمجر في 2 مايو 1860 م من أب يهودي ثري يعمل في التجارة.
درس هرتزل الحقوق في جامعة فيينا بالنمسا، وعمل كاتبًا وصحفيًّا في المجالات السياسية والأدبية).
بدأ هرتزل في عام 1895 في كتابة المسودة لكتابه: (الدولة اليهودية)، وانتهى من تسجيل أفكاره مع أواخر ذلك العام، ثم سعى لنشر الكتاب، وقد تمت ترجمة الكتاب من الألمانية إلى الإنجليزية.
و(لقد نجح هرتزل في طرح أفكاره، وفي عرض التفاصيل الدقيقة لسد الطريق على أية معارضات لخطته؛ فأثار النقاط الكبرى: كاللغة، والقوانين، والجيش، وإنشاء الجمعية الوطنية، وتشكيل الشركة اليهودية، وشراء الأراضي، إلخ)، (كانت فكرة هرتزل أن يمنح اليهود أرضًا يتجمعون فيها، ويهاجر إليها المضطهدون من يهود العالم تكون وطنًا قوميًّا لهم؛ ولتحقيق ذلك: اقترح تأسيس وكالة يهودية تتولى الأعمال التحضيرية الخاصة بأعمال التنظيم والمفاوضات السياسية، وإنشاء شركة يهودية تكرس جهودها لدراسة مختلف المسائل المالية والاقتصادية الخاصة بتنفيذ الاقتراح).
لم تكن فلسطين (هي الأرض المقصودة دون غيرها لتكون وطنًا لليهود، أو أرض الميعاد، بل كان المراد فلسطين أو غيرها؛ يدل على ذلك مناداة هرتزل في المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903م باختيار أوغندا مقرًّا للوطن القومي اليهودي، وكان ذلك اقتراحًا إنجليزيًّا؛ رغم قرار المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897م بإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، ومن قبل اقتراح البارون (هيرش) إقامة الدولة اليهودية في الأرجنتين) (راجع: "صفحات مطوية من القضية الفلسطينية قبل قيام دولة إسرائيل" د. علاء بكر ط. دار الخلفاء الراشدين) .
لم يقتصر هرتزل على إصدار كتابه: (الدولة اليهودية)، (لكنه منذ أن صدر كتابه قام باتصالات ومقابلات عديدة مع مختلف السياسيين والمسئولين في العالم، فقابل قيصر ألمانيا والبابا في روما، والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ووزير خارجية بريطانيا، ووزير داخلية روسيا، وغيرهم كثير ... إلى جانب علاقاته واتصالاته بزعماء الصهيونية، ورجال المال اليهود في العالم)، (وبناءً على دعوة من هرتزل لأقطاب الجاليات اليهودية في العالم تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا في أغسطس 1897م) (المصدر السابق) .
اندماج يهود اليديشية في أمريكا وروسيا:
