بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
أما في الولايات المتحدة التي هاجر إليها الملايين، فكانت توجد أمام المهاجرين من يهود اليديشية مجالات للعمل، ولذلك لم تحدث توترات اجتماعية. وقد تزايد عددهم حتى أصبحوا العنصر الغالب بين أعضاء الجماعة اليهودية هناك)، (وغني عن القول: إن يهود اليديشية كانوا هم أيضًا العنصر الغالب في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت توجد جماعات يهودية أخرى، مثل: يهود جورجيا، ويهود الجبال) (راجع موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) .
وقد اختفت اليديشية تقريبًا مع نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، واختفى يهود اليديشية، واختفت المسألة اليهودية معهم، أما أبناؤهم وأحفادهم فتم دمجهم في مجتمعاتهم.
ومن هنا يشار الآن إلى المهاجرين السوفيت إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأنهم الروس؛ لأن معظمهم يتحدث الروسية، كما أنهم روس من الناحية الثقافية) (المصدر السابق) .
يهود اليديشية والصهيونية:
ونظرًا لأن الكثافة البشرية اليهودية كانت متمركزة في شرق أوروبا، فإن الحركات الفكرية كانت تتحول إلى حركات سياسية وثقافية حقيقية بين يهود شرق أوروبا، وكان من أبرزها: فكرة الحركة الصهيونية، (وحينما أسس الاتحاد السوفيتي منطقة بيروبيجان فإنه كان يتحرك في إطار القومية اليديشية، ولم تنجح بسبب اختفاء اليديشية وثقافتها واختفاء أية معالم للخصوصية اليديشية، أما فيما يتصل بالصهيونية فقد تولت العناصر اليديشية قيادتها من المؤتمر (الصهيوني) الحادي عشر عام 1913، وظل هذا العنصر هو المهيمن حتى إعلان الدولة الصهيونية، وتكون منها عصب النخبة الحاكمة فيها) (المصدر السابق) .
لقد قامت الحكومة السوفيتية بجهود عديدة لإنجاح مشروع بيروبيجان، فقدمت القروض الميسرة، إلى جانب امتيازات مادية ومساعدات غذائية، لتشجيع اليهود على الهجرة لبيروبيجان، ولكن المشروع واجه معوقات كبيرة منها: الحاجة إلى آلات متقدمة، وإمكانيات مادية كبيرة وجهود مستمرة و منظمة -وليست ارتجالية- لاستصلاح الأراضي، والحاجة لتوفير المياه، ومنها: افتقاد حسن التخطيط، والتعرض لبيروقراطية الموظفين ناقصي الخبرة، وعدم توافر وسائل النقل المناسبة؛ هذا رغم كل الدعاية الرسمية التي قامت بها الدولة للمشروع، لكن المشروع لم يكن في أولويات الدولة السوفيتية؛ إلى جانب عدم وجود خبرة زراعية كبيرة عند الغالبية من اليهود المهاجرين إذ لم يكونوا من المزارعين، فأكثرهم كانوا من أصحاب الحرف الأخرى، كما أنهم وجدوا أنفسهم يعملون في مزارع حكومية لا حق لهم في تملكها.
وأكثر من ذلك: فقد شهد الإقليم صدامات بين السكان الروس والمستوطنين اليهود لما كانوا عليه اليهود في طبيعتهم من الميل إلى الانعزالية والاستعلاء على الغير (شعب الله المختار)، لكن المسئولون الروس في الإقليم كانوا يدافعون عن المستوطنين اليهود -وهم الأقلية-، ويحمونهم في مواجهة سكان الإقليم الروس -وهم الأغلبية- بغرض تثبيت وجود اليهود في الإقليم.
يهود روسيا بعد الحرب العالمية الثانية:
ضمت روسيا خلال عامي: 1939 و1940 أراضي دول في شرق أوروبا تضم أعدادًا كبيرة من اليهود، وقد رحَّب هؤلاء اليهود بهذا الضم إلى الاتحاد السوفيتي؛ إذ وجدوا في ذلك حماية لها من أي غزو نازي مرتقب، ولكن في عام 1941 قامت القوات النازية بطرد الاتحاد السوفيتي من المناطق التي ضمها من قبل، مما ألجأ أكثر من مليون من اليهود إلى الهرب من مناطق تجمعهم التقليدية، ووقع مَن وقع منهم تحت حكم النازيين.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تزايدت من جديد عملية الدمج والاندماج (الترويس) لليهود في روسيا، وصاحب ذلك تركُّز اليهود في المدن الكبرى؛ في الأعمال الكتابية، والمؤسسات التجارية السوفيتية، حيث عمل نحو نصف مليون منهم في التجارة الحرة، وبالتالي تناقص عدد اليهود المشتغلين في الزراعة.
وقد صاحب إعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة في مايو عام 1948 م ظهور حملة ضد أي نشاط ثقافي يهودي في بيروبيجان؛ خشية أن تقوى شوكة يهود الإقليم، فيظهر أي تمرد منهم، وصاحب ذلك اعتقال أعداد كبيرة من اليهود؛ بسبب الريبة في ولائهم للدولة مع اتساع الاتصالات مع الخارج خاصة العلاقات مع الحركة الصهيونية، والمنظمات اليهودية العالمية. كما شن ستالين في أيامه الأخيرة حملة خاصة ضد يهود الإقليم ترتب عليها تراجع التواجد اليهودي في الإقليم. كما مارس ستالين حملة تطهير شاملة عامة في روسيا يتستر بها على فشل خططه الخمسية، وقد طالت الحملة عددًا من اليهود بتهمة ممارسة نشاطات دينية محظورة، ولكن حملة التطهير هذه توقفت بعد رحيل ستالين وانتفال السلطة إلى خروتشوف.
وبعد ستالين لم تتغير الأوضاع كثيرًا، فقد تراجعت نسبة يهود الإقليم إلى 9 % من السكان في عام 1959، ثم تراجعت إلى 7 % عام 1970، وتلاشت مظاهر الثقافة اليديشية في مواجهة إجراءات دمج اليهود في المجتمع السوفيتي.
وقد شهد عهد خورتشوف -خليفة ستالين- تخفيف شدة القبضة المفروضة على اليهود في روسيا؛ لذا شهدت فترة أواسط الخمسينيات وما بعدها ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الطلاب اليهود بالجامعات والمعاهد العليا؛ مما زاد من عدد المشتغلين من اليهود في المهن الحرة.
وبينما كان الضباط اليهود في عام 1926 يكونون 4 و4 % من مجموع ضباط الجيش الأحمر السوفيتي، وكانت هناك نسبة عالية من اليهود في القيادة العليا للجيش السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية، لكن خلال الفترة من 1948 إلى 1953؛ نظرًا للارتياب في ولاء اليهود للبلاد أحيل 333 من القيادات العليا من اليهود للتقاعد فلم يتبقَّ بحلول عام 1953 أي يهودي بين صفوف كبار الضباط، كما منع اليهود من بعض المهن منها الأجهزة الأمنية والخارجية.
وخلال تلك الفترة حصل الكثير من اليهود على تعليمٍ عالٍ، واتجه أكثرهم إلى المهن العلمية والحرة، مثل: الطب والهندسة والعلوم، وقد شكَّل اليهود في أوائل الستينيات 7و14 % من إجمالي الأطباء في الاتحاد السوفيتي، و5و8 % من إجمالي الكتاب والصحفيين، و19 % من الموسيقيين،11 % من العاملين في مجالات البحث العلمي، وهذا يبين أن اليهود أصبحوا يتمتعون بأوضاع اقتصادية متميزة بلا قيود في التعليم والعمل.
