شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف نتأدب مع الرسول-صلى الله عليه وسلم- (3-3)

عصام حسنين • التزكية

تحقيق الاتباع الصحيح للنبي -صلى الله عليه وسلم-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

إن العباد مضطرون فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر.

فلا سعادة ولا فلاح إلا من طريقه -صلى الله عليه وسلم-، ولا معرفة للخير من الشر، وللطيب من الأقوال والأعمال والأخلاق إلا من هديه -صلى الله عليه وسلم-.

وبمتابعته -صلى الله عليه وسلم- يتميز أهل الهدى من أهل الضلال.

قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النور:54) ، لأنه يدعو إلى صراط مستقيم (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الشورى:53) أ.هـ. تفسير ابن كثير 3/ 309.

وقال -تعالى-: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56) . "يأمر -تعالى- عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أي: سالكين وراءه فيما به أمرهم، وترك ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمه م بذلك، ولاشك أن من فعل هذا أن الله سيرحمه كما قال الله -تعالى- في الآية الأخرى: (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) (التوبة:71) . أ.هـ. السابق3/311.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) رواه أحمد بسند صحيح.

قال ابن القيم: "إن الله -تعالى- أرسله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وأوجب على عباده طاعته وتوقيره وتعزيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلم تفتح إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، والعزة لأهل طاعته ومتابعته.

وبحسب متابعة الإنسان الرسولَ -صلى الله عليه وسلم-، تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والصلاح والنجاح، فقد علق الله السعادة والفلاح في الدارين بمتابعته، وجعل الشقاوة في الدارين في مخالفته" أ.هـ. زاد المعاد 1/5.

قال الله -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:110) ، "أي: من كان يرجو ثوابه وجزاءه الصالح، ورؤيته أيضاً، لأن اللقاء يتضمن الرؤية (فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً) ، موافقاً لشرع الله (وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) ، وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل لابد أن يكون خالصاً لله، وصواباً على شريعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". أ.هـ. تفسير ابن كثير 3/112.

وقال -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7) ، "أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه يأمر بخير وإنما ينهى عن شر". أ.هـ. ابن كثير 4/336.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) .

وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -تعالى-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .

قال النووي -رحمه الله-: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-، فهو صريح في رد كل البدع والمخترعات، وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سُبـِق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئاً، فيحتج عليه بالرواية الثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها.

وفي هذا الحديث دليل لمن يقول من الأصوليين: "إن النهي يقتضي الفساد"، ومن قال: "لا يقتضي الفساد" يقول: "هذا خبر واحد، ولا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة" وهذا جواب فاسد.

وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به". أ.هـ. شرح مسلم 12/16.

قلت: وهذا كلام متين من الإمام النووي -غفر الله له ورحمه- يدل على أنه من أهل السنة والاتباع لا من أهل البدعة والاختلاف، وإن كان من خطأ وقع فيه، فنسأل الله -تعالى- أن يغفره له.

أخي الكريم -بارك الله فيك-: إذا تبين لنا ما تقدم فلابد من مراعاة الآداب لكي تتحقق المتابعة الصحيحة للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

أولاً: كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره القبول والتصديق دون أن يقدم عليها آراء الرجال وزبالات أذهانهم، كما فعل المبتدعة الضلال وغيرهم ممن قدموا العقل على النقل، فردوا النصوص لتعارضها مع أفهامهم السقيمة -بزعمهم-، فوقعوا في هُوة سحيقة أدت ببعضهم إلى الكفر -عياذاً بالله -تعالى-، ولو علم هؤلاء الجهال الضلاّل أن الشرع حاكم، وأن ما سواه من إنسان أو عقل محكوم، وأنا العقل مع الأدلة وفهمها طريق لاستنباط الأحكام الشرعية، وأن الشرع المحكم المتين من لدن حكيم خبير قد أتى بما تحتار فيه العقول السليمة، ويتوافق مع الفطر المستقيمة لا بما تستحيله هذه العقول؛ ما وقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الضلال والخذلان!

قال الله -تعالى-: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف:3)

الصفحة التالية