شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف نتأدب مع الرسول-صلى الله عليه وسلم- (3-3)

عصام حسنين • التزكية

"أي: اقتفوا آثار النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء) ، أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) كقوله -تعالى-: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103) أ.هـ. تفسير ابن كثير2/205.

ثانياً: ألا يتقدم بين يديه -صلى الله عليه وسلم- بأمر ولا نهي، حتى يأمر هو وينهى ويأذن، وهذا باقٍ إلى يوم القيامة لم ينسخ، ولا فرق في هذا التقدم بين يديه في حياته أو بعد وفاته.

قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات:1)

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة".

وقال الضحاك: "لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم".

قال القرطبي -رحمه الله-: "لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قدَّم قوله أو فعله على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد قدمه على الله -تعالى-، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما يأمر عن الله -عز وجل-". مختصر تفسير القرطبي 5/35.

وقال الجزائري -حفظه الله-: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: قولاً ولا عملاً ولا رأياً ولا فكراً. أي: لا تقولوا ولا تعملوا إلا تبعاً لما قال الله ورسوله، وشرع الله ورسوله، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في ذلك، فإن التقدم بالشيء قبل أن يشرع الله ورسوله فيه معنى أنكم أعلم وأحكم من الله ورسوله، وهذه زلة كبرى، وعاقبتها سوأى، ولذا قال: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) أي: لأقوالكم، (عَلِيمٌ) بأعمالكم وأحوالكم". أيسر التفاسير 5/121.

وقال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: "وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول، ولا قول فلان....، وكما قال البخاري -رحمه الله-: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي -رحمه الله- فأتاه رجل، فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا. فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟ تراني على وسطي زنار؟! أقول لك: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنت تقول: ما تقول أنت؟ ونظائر ذلك في كلام السلف كثير، وقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) ". أ.هـ. شرح الطحاوية289.

ومن كلام السلف في ذلك ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله- بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ليس منا أحد إلا يؤخذ من قوله ويُدع غير النبي -صلى الله عليه وسلم-".

وروى البيهقي بسند صحيح عن أبي غطفان قال: كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول في الأصابع: عشر عشر "أي: كل أصبع فيه عشر من الإبل"، فأرسل إليه مروان أمير المؤمنين فقال: أتفتي في الأصابع عشر عشر وقد بلغك عن عمر -رضي الله عنه- في الأصابع، فقال ابن عباس: "رحم الله عمر، قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن يتبع من قول عمر -رضي الله عنه-".

وبسند صحيح أن ابن عباس -رضي الله عنهما- أفتى بوجوب التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال رجل: إن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان أن إفراد الحج أفضل، فقال -رضي الله عنه-: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقولون: قال أبو بكر وعمر!"

وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-: "إذا جاء الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم- فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال".

أي: في الاجتهاد؛ فهو إمام مجتهد -رحمه الله-.

وقال أيضاً -رحمه الله-: "إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه، فاتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخالفه؟ قال:اتركوا قولي لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: واتركوا قولي لقول الصحابة.

وقال الإمام مالك -رحمه الله-: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر -صلى الله عليه وسلم-".

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد".

وقال أيضاً -رحمه الله-: "إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان"، والله -تعالى- يقول: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".

وجميع الأئمة -رحمهم الله- قالوا لتلاميذهم: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".

أي: سواء في حياتي ولم أعلم به، أو بعد مماتي فأنا تارك قولي، وذاهب إليه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية