شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف نتأدب مع الرسول-صلى الله عليه وسلم- (3-3)

عصام حسنين • التزكية

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "أقسم الله -تعالى- بأنه لا يؤمن أحد حتى يحكمه -صلى الله عليه وسلم- في كل ما ينازع هو وغيره فيه، ثم يرضى بحكمه، فليس لأحد أن يختار شيئاً بعد أمره -صلى الله عليه وسلم-، بل إذا أمر فأمره حتم، وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع لا واجب الاتباع، فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصياً لله ورسوله، فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله؟! فلا حكم لأحد معه...". أ.هـ. زاد المعاد صـ5.

وقال أيضاً -رحمه الله-: "ومن الأدب معه -صلى الله عليه وسلم-: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه... من خطبة أو جهاد أو رباط أو غيره كما قال الله -تعالى- : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ...) (النور:62) .

إذا كان هذا في أمر عارض، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين أصوله وفروعه، هل يشرع الذهاب إليه قبل استئذانه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43) .

فقبل أن تعمل عملاً أو تقول قولاً فارجع إلى سنته -صلى الله عليه وسلم- واستأذنه فيها!!

- ومن الأدب معه:

ألا تستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا تعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة لنصوصه، ولا يوقف قبوله على قبول ما جاء به -صلى الله عليه وسلم- على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه -صلى الله عليه وسلم-، وهو عين الجرأة"

وقال أيضاً -رحمه الله-: "ومن الأدب معه -صلى الله عليه وسلم- عدم رفع الصوت فوق صوته، فإنه سبب لحبوط العمل، فما ظنك برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به". أ.هـ. من مدارج السالكين3/365 وما بعدها.

قال القاضي ابن العربي -رحمه الله-: " حرمة النبي -صلى الله عليه وسلم- ميتاً كحرمته حياً، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به.

وقد نبه الله -سبحانه- على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204) ، وكلامه -صلى الله عليه وسلم- من الوحي، وله من الحكمة مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه". أ.هـ. من مختصر تفسير القرطبي 5/ 37.

كان الإمام مالك -رحمه الله- إذا أراد أن يحَدث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيَّب ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقِّر به حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان يكره -رحمه الله- أن يحدث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل.

وقال مصعب بن عبد الله: " كان مالك إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر -وكان سيد القراء- لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه.

ولقد كنت أرى جعفر بن محمد -وكان كثير الدعابة والتبسم- فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم- اصفرَّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله -عز وجل-.

ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم- بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.

ولقد رأيت الزهري -وكان من أهنأ الناس وأقربهم- فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم­- فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتى صفوان بن سليم -وكان من المتعبدين المجتهدين- فإذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه". انظر الشفا بتعريف حقوق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- للقاضي عياض -رحمه الله-.

وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الحاضرين بالسكوت، فلا يتحدث أحد، ولا يبرى قلم، ولا يبتسم أحد، ولا يقوم أحد قائماً، كأن على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة، فإذا رأى أحداً منهم تبسم أو تحدث لبس نعله وخرج".

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "يكره للرجل أن يقول: قال رسول الله، ولكن يقول: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ تعظيماً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

لا كما ينحتها بعض المسلمين تقليداً للمستشرقين وغيرهم، فيكتب: "ص" أو "صلعم".

أخي الحبيب:

هناك آداب أخرى كثيرة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إن التزمت بما قدمناه وفقك الله -تعالى- إليها.

وأخيراً نذكِّر بقول الحسن البصري -رحمه الله- عندما كان يذكر حديث حنين الجذع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصياحه، يبكي ويقول: "هذه خشبه تحنُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه".

نسأل الله أن يرزقنا من فضله. آمين.

الصفحة السابقة