العلامات الحسان على حسن الاستعداد لشهر رمضان (9) هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
2- الاجتهاد في ختم القرآن في الصلاة أو خارج الصلاة في العشر الأواخر من رمضان لمَن استطاع إلى ذلك سبيلًا: بأن يختم القرآن قراءة في صلاته؛ بحيث يصلي كل ليلة بثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، أو يقرأ ثلاثة أجزاء خارج الصلاة، فيختم القرآن في الليلة الأخيرة من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وقد جاء عن بعض السلف الصالح اجتهادهم في ختم القرآن في العشر الأواخر من رمضان؛ فكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا دخل رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخل العشر ختم في كل ليلة مرة (المروزي، مختصر قيام الليل) .
3- الاجتهاد في تدبر القرآن أثناء التلاوة؛ تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم: فعن حذيفة قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيحٌ سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ" (رواه مسلم، ورواه الترمذي والنسائي بلفظ: "إذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ") .
4- الإكثار من ذكر الله تعالى: (التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والحوقلة، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - إلخ): فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ) قالوا: بلى، قال: (ذكر الله تعالى) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غُرست له نخلةٌ في الجنة ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
5- الإكثار من الدعاء في العشر الأواخر من رمضان، فيدعو المسلم بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة: قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة: 186) ، والملاحظ أن هذه الآية وردت وسط الآيات المتعلقة بأحكام الصيام؛ الأمر الذي نلمس منه أهمية الدعاء في هذا الشهر خاصة، وقبول الدعاء واستجابته عند الله جل جلاله (تفسير ابن عاشور) .
6- الخلوة مع الله جل جلاله: إن المقصد الأساسي لعبادة الاعتكاف الخلوة بالله عز وجل، وترك الانشغال بالدنيا؛ فينبغي على المسلم أن يحرص على أن يختليَ بربه في ليالي العشر الأواخر من رمضان في بيته، حتى ولو لجزءٍ من الليل؛ ليناجيَ ربه، ويذكره، ويدعوه، ويتضرع إليه، وينكسر بين يديه، وينشغل به جل جلاله عن الدنيا وما فيها.
والخلاصة:
إن المطلوب من المسلمين في العشر الأواخر من رمضان الاجتهاد في بيوتهم، وإحياء الليل بالصلاة وتلاوة القرآن، والذكر والدعاء والاستغفار، وغيرها من أوجه الطاعات؛ اتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وطمعًا في الأجر والثواب، وتحريًا وطلبًا لأجر ليلة القدر التي أخفاها الله جل جلاله عنا؛ ليحصل الاجتهاد في التماسها، فليجتهد كل مسلم في إحياء ليالي العشر الأواخر من رمضان، فمن استطاع أن يقوم الليل كله، فهذا أعلى الدرجات، وكلٌّ يجتهد قدر استطاعته، فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والأجر على قدر الجهد والمشقة، ومن كان أكثر فعلًا واجتهادًا؛ كان أكثر فضلًا وأجرًا، والمعول على القبول، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الإمام النووي رحمه الله: "اختلف العلماء في معنى: (شد المئزر)، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادةً على عادته صلى الله عليه وسلم في غيره، ومعناه: التشمير في العبادات. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له وتفرغت. وقيل: هو كنايةٌ عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات، وقولها: (أحيا الليل) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. ففي هذا الحديث: أنه يستحب أن يُزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات" (شرح النووي على مسلم) .
(2) قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: "وقولها: (وأيقظ أهله): أي: أيقظهم للصلاة في الليل، وجدَّ في العبادة زيادةً على العادة" (شرح النووي على مسلم) .
(3) تفسير ابن كثير.
(4) وقد ذكر المفسِّرون في تفسير هذه الآية: أن العبادة في ليلة القدر أفضل عند الله جل جلاله من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر؛ ففي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، وألف شهر تعدل ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر (تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير) .
