سلامة الأبدان في كمال الصيام (2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فللانتظام في الصيام طوال العام فوائده ومنافعه، وهو أمر محمود مطلوب من العبد، مرغوب فيه، على أن يكون على أكمل صوم وأتمه، كما وردت أحكامه وآدابه في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وهذا باب واسع نذكر بعضًا مما يتيسر منه:
عدم الإسراف في الأكل والشراب:
وهذا تصديقًا وامتثالًا لقول الله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، وتنفيذًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا؛ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه".
ولا يَخْفَى ما في الإفراط في الطعام والشراب للصائم وغير الصائم مِن مَضَارٍّ، فكثرة الطعام والشراب يثقل عمل الجهاز الهضمي، وأثناء عملية هضم الطعام وامتصاصه يتوجَّه جزءٌ كبيرٌ من الدم في الجسم (نحو 25 % من الدم) إلى الجهاز الهضمي، ويقل الدم المتوجه للأطراف والمخ نسبيًّا؛ لذا يشعر الإنسان بعد الإكثار من الطعام والشراب بالوخم وثقل الحركة، وضعف الرغبة في العمل، والميل إلى الكسل، مع قلة التركيز.
وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه"؛ ولذا قيل قديمًا: "إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة"، ومع المبالغة في الشبع وامتلاء البطن تكون الدعة والخمول، والرغبة في الازدياد من الشهوات والمتع الحسية، وتنامي الرغبة في الاستجابة لوساوس الشيطان لابن آدم، وفي الحديث المرفوع: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، وتقليل الطعام والشراب يضيق مجاريه وحركته؛ ولذا فمع الانتظام في الصيام لأسابيع، وتقليل مرات وكمية الطعام والشراب فيها تتحسن الحالة البدنية والذهنية، وتختفي متاعب الجهاز الهضمي؛ خاصة المعدة والقولون والكبد.
فإذا واظب العبد على الصيام بهذه الكيفية لأيامٍ عديدةٍ طوال شهور العام: كما في صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الست من شوال، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة لغير الحاج، ونحو ذلك، مع صيام شهر رمضان بأكمله؛ قلل ذلك كله من انطلاق ذرات الأكسجين الحرة في الجسم بأضرارها الجسيمة على جدران الخلايا والدهون والبروتينات، والتي تعجل بظهور مظاهر وأعراض وأمراض الشيخوخة على الإنسان.
ويزيد من أهمية ذلك: أننا في عصر نتناول من الطعام والشراب، أكثر بكثيرٍ مما نستهلك في الحركة والعمل في ظلِّ عصر التكنولوجيا، والتقدُّم العلمي والتقني؛ مما يورثنا السمنة والبدانة التي أصبحت أحد أكبر مشاكل العصر إلى جانب أمراض البول السكري، والقلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم؛ هذا في وقت تزايدت فيه السموم الضارة التي تدخل أجسامنا نتيجة تلوث البيئة؛ فالهواء ملوث بعوادم المصانع ووسائل النقل، والمياه ملوثة بتلوث الأنهار، والنباتات ملوثة من الإفراط والتمادي في استخدام المبيدات والأسمدة والكيماويات في الزراعة، حتى زادت بيننا نِسَب الإصابة بالسرطانات، والفشل الكلوي والكبدي بما لم يُعرَف من قَبْل، وصارت فرص النجاة الميسرة والسهلة، وغير المكلفة تتمثَّل في الصيام المنتظِم، وتقليل الطعام وتحسين البيئة، ومنع التلوث بأنواعه، وممارسة الرياضة البدنية.
الإفطار على الرطب والماء:
كان من هديه صلى الله عليه وسلم الإفطار بعد صيام يومه على رطبات أو تمر، أو يحسو حسوات من الماء، وهذا فيه من الفوائد الكثير، فعن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرًا حسا حسوات من ماء"، وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفطر أحدكم؛ فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور"، وفي الحديث كمال شفقته صلى الله على أمته ونصحه لهم؛ إذ (عند نهاية مرحلة الصيام -في نهاية يوم الصوم- يهبط مستوى تركيز الجلوكوز والأنسولين من دم الوريد البابي الكبدي، وهذا يقلل بدوره نفاذ الجلوكوز وأخذه بواسطة خلايا الكبد والأنسجة الطرفية: كخلايا العضلات، وخلايا الأعصاب، ويكون قد تحلل كل المخزون من الجليكوجين الكبدي أو كاد، وتعتمد الأنسجة حينئذٍ في الحصول على الطاقة من أكسدة الأحماض الدهنية، وأكسدة الجلوكوز المصنَّع في الكبد من الأحماض الأمينية والجليسيرول) (راجع: مشتاق لرمضان، إيهاب الشريف، وانظر: الرطب والنخلة، د. عبد الله عبد الرازق السعيد) .
وهذا يتسبب في تكوين الأجسام الكيتونية الضارة التي تؤثِّر على حموضية الدم؛ لذا فإمداد الجسم سريعًا بالجلوكوز في هذا الوقت له فوائد مهمة، وفي الرطب والتمر نسبة عالية من السكريات تؤدي هذا الدور ببراعة؛ إذ تتراوح السكريات فيها ما بين 75 و87 % يشكل سكر الجلوكوز 55 % منها، والفركتوز 45 %، ويتحول هذا الفركتوز إلى جلوكوز بسرعة فائقة، ويتم امتصاصه مباشرة من الجهاز الهضمي ليلبي حاجة الجسم من الطاقة؛ خاصة الأنسجة التي تعتمد عليه أساسًا كخلايا المخ والأعصاب، وخلايا الدم الحمراء؛ علاوة على احتواء الرطب والتمر على نسبة من البروتينات والدهون، وبعض الفيتامينات والمعادن المهمة، وعليه يرتفع تركيز الجلوكوز بسرعة في دم الوريد البابي الكبدي فور امتصاصه، ويدخل إلى الكبد أولًا ثم خلايا المخ والدم، والجهاز العصبي والعضلي، وجميع الأنسجة الأخرى التي هيأها الله تعالى لتكون السكريات غذائها الأمثل والأيسر للحصول منها على الطاقة، وعليه يتوقف (تأكسد الأحماض الدهنية فيقطع الطريق على تكون الأجسام الكيتونية الضارة، وتزول أعراض الأعياء والضعف العام والاضطراب البسيط في الجهاز العصبي إن وجدت لتأكسد كميات كبيرة من الدهون، كما يوقف تناول الجلوكوز عملية تصنيع الجلوكوز في الكبد، فيتوقف هدم الأحماض الأمينية، وبالتالي حفظ بروتين الجسم) (المصدر السابق) .
