شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

سلامة الأبدان في كمال الصيام (2)

الشيخ علاء بكر • التزكية

(وعلى العكس من ذلك لو بدأ الإنسان فطره بتناول المواد البروتينية أو الدهنية؛ فهي لا تُمتص إلا بعد فترة طويلة من الهضم والتحلل، ولا تؤدي الغرض في إسعاف حاجة الجسم السريعة للطاقة؛ فضلًا عن أن ارتفاع الأحماض الأمينية في الجسم نتيجة للغذاء الخالي من السكريات -أو حتى الذي يحتوي على كميات قليلة منه- يؤدي إلى هبوط سكر الدم؛ ولهذا يمكن أن ندرك الحكمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإفطار على التمر، واستحبابه كذلك في السحور) (المصدر السابق) ، ففي حديث أبي هريرة المرفوع: "نعم سحور المؤمن التمر".

وينبغي أيضًا: تجنب تناول الماء بغزارة في بداية الفطر الصيام، فيكفي أن يحسو العبد حسواتٍ من الماء، كما كان هديه صلى الله عليه وسلم، وهذا يذهب الظمأ ويطفئ حرارة الصوم، ويعد وينبِّه المعدة لاستقبال الطعام بعد طول توقف، ففي الحديث: "حسا حسوات من ماء"؛ يقال: حسا الرجل الحساء، أي: تناوله جرعة بعد جرعة، والحسوة: ملء الفم مما يحسى. والحسوة: الشيء القليل.

ومن أحكام الإسلام وآدابه التي فيها سلامة الأبدان وقوتها، وكمال استفادتها من الصوم دون الإضرار بالبدن:

تعجيل الإفطار ومنع الوصال:

فمِن السنة: تعجيل الصائم تناول إفطاره، وترك وصال الصيام عقب نهاية وقته بدخول الليل، ومعلوم أنه بعد ساعات الصيام الطويلة خاصة في فصل الصيف أو مع شدة الحر، أو عقب يوم من العمل الكثير المرهق يحتاج المرء إلى سرعة رفع معدل الجلوكوز المنخفض في الدم من جهة، وسرعة إيقاف آلية إنتاج الجسم للأجسام الكيتونية الضارة الناتجة من الحصول على الطاقة اللازمة للجسم من حرق الأحماض الدهنية والأمينية من جهة أخرى؛ لذا فمن الأهمية بمكان تعجيل الفطر، وأن يتناول الصائم بعض الأغذية الغنية بالسكريات البسيطة مع جرعات من الماء قبل أن يصلي صلاة المغرب.

ونظرًا لحاجة جسم الصائم للطعام فقد أثبتت التجارب العلمية أن درجة امتصاص جسم الصائم للطعام تكون عالية جدًّا في ذلك الوقت؛ لذا فهو يستفيد استفادة كاملة من كلِّ ما يتناوله عقب دخول وقت الإفطار، ولذا فهو لا يحتاج إلى كثيرٍ طعامٍ وقتها بقدر كون هذا الطعام غنيًّا بالسكريات؛ ولهذا ينصح الصائم بالاكتفاء بكميات قليلة من الطعام في إفطاره لكونها ستكون كافية مع سرعة وقوة الهضم والامتصاص لتحقيق التوازن المطلوب للجسم بسرعة، وتلاشي نتائج وآثار الصيام لساعات طويلة، بينما تسبب كثرة تناول الطعام في الإفطار حالة من الامتلاء والتخمة والخمول.

تناول طعام السحور متأخرًا:

من الأمور التي تخفف عن الجسم معاناة الصيام نهارًا تناول وجبة السحور ليلًا قبل أذان الفجر، وتأخير هذه الوجبة إلى قرب الأذان الصادق، ولا يخفى ما في ذلك من منافع؛ خاصة مع أخبر به النبي صلى الله من بركة السحور.

ويظهر أثر ذلك جليًّا في الفارق بين مَن صام ويصوم من غير سحور، وبين من صام ويصوم مع السحور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها"، وقال: "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين"، وقال: "تسحروا ولو بجرعة من ماء"، وقال: "نعم سحور المؤمن التمر".

المداومة على استعمال السواك:

السواك عود من الأراك ونحوه تدلَّك به الأسنان ليذهب الصفرة ونحوها، ويستعمل في كل وقت، وهو أوكد في وقت الوضوء والصلاة، ففي الحديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وأيضًا: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب".

وهو مِن سنن الفطرة، ويجوز في الصيام وغير الصيام، في أول اليوم أو آخره؛ لعموم الأدلة، قال ابن القيم: (وفي السواك عدة منافع: يطيب الفم، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويصح المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، ويسهل مجاري الكلام، وينشط للقراءة والذكر والصلاة، ويطرد النوم، ويرضي الرب، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات) (زاد المعاد) .

ويضيف ابن القيم: (ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث، ولحاجة الصائم إليه؛ لأنه مرضاة للرب، ومرضاته مطلوبة في الصوم أشد من طلبها في الفطر؛ ولأنه مطهرة للفم، والطهور للصائم من أفضل أعماله، وأجمع الناس على أن للصائم أن يتمضمض وجوبًا واستحبابًا، والمضمضة أبلغ من السواك. والسواك لا يزيل الخلوف -أي: رائحة خلوف فم الصائم- فإن سببه -أي: الخلوف- قائم، وهو: خلو المعدة من الطعام، وإنما يزول أثره، وهو المنعقد على الأسنان واللثة أيضًا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم أمته ما يستحب لهم في الصيام وما يكره لهم، ولم يجعل السواك من القسم المكروه، وهو يعلم أنهم يفعلونه، وقد حضهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول، وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارًا كثيرة تفوت الإحصاء، ويعلم أنهم يقتدون به، ولم يقل لهم يومًا من الدهر لا تستاكوا بعد الزوال، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع) (المصدر السابق) . قال الشوكاني: (والحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور العلماء) (نيل الأوطار) .

ويعد استخدام السواك مفيدًا لنظافة الفم والأسنان، إلى جانب الفوائد والمنافع الأخرى على الفم والأسنان؛ فالصيام: يعطي الفرصة لراحة الأنسجة المخاطية للفم من تلقي الإفرازات الهاضمة التي تطلقها الغدة اللعابية الفمية، كما يُوجِد الصيام الفرصة لبعض الخمائر الموجودة ضمن المفرزات اللعابية داخل الفم للقضاء على الجراثيم التي إذا تركت تحدِث بعض أمراض اللثة، وقد تسبب تخلخل الأسنان، كما تعطى الفرصة خلال الصيام لأنسجة الفم الرخوة التي تكون قد جرحت بتأثير الأطعمة الخشنة لترمم نفسها جيدًا بعيدًا عن الحوامض التي ينتجها الطعام في الفم.

كما تعطى الفرصة لفوهات أقنية الغدد اللعابية داخل الفم، وهي بالملايين لتأخذ بعض الراحة من عملها الدؤوب المستمر، مع ارتياح الأنسجة اللينة في باطن الفم واللسان من التعرُّض وامتصاص قطران السجائر وترسبه على اللثة، وقاع الفم وما بين الأسنان، وبالتالي تقليل فرص الإصابة بالسرطان في الفم والحنجرة والرئتين (مشتاق لرمضان) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية