عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1443هـ)
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
ومشهد الأُسَر التي تخرج لشعيرة القيام والتهجد، يعتبر أحد المشاهد المشرِّفة التي ينبغي أن تكون عليها الأسرة المسلمة مِن التوادِّ والتراحم والتعاون على رضا الله تعالى؛ لا سيما وقد رغَّب الله الرجال والنساء في التسابق في مضمار طاعته، فقال تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا".
وفي هذه الآية بيان: أن هذا الشرف الأخروي -الذي هو في الإسلام الشرف الحقيقي- متاح للرجال والنساء على حدٍّ سواء، وأما كيف يتم توزيع الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء، فتضمنه تشريع دقيق مُحْكَم بفضل الله تعالى.
الوقفة الثالثة: أزمة تزايد معدلات الطلاق:
من محاسن شرع الله تعالى: أنه جعل مِن شروط صحة الزواج أن يُرَاد به التأبيد، وهذا يدل على أن الأصل في الزواج أن يكون كذلك؛ إلا أنه كما لا يَخْفَى على كلِّ عاقل قد يدب خلافٌ يبقى معه الانفصال هو أقل الاختيارات ضررًا.
وبطبيعة الحال: فإن الشيطانَ يريد أن يوقِعَ العداوةَ بين الناس بصفة عامة، والأزواج بصفة خاصة؛ طلبًا لوقوع الطلاق أو للنفرة بين الزوجين، ومِن ثَمَّ فتح باب الشهوات المحرمة عليهما؛ ولذلك أرشد الله عز وجل إلى التريُّث قبل إمضاء الطلاق، فقال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا".
وهذه قضية تحتاج إلى معالجة في ظلِّ الضغط المتزايد للمسلسلات التي تدفع المرأة للتمرد على الحياة الزوجية، وتضغط على شهوات الرجال بمشاهد تجعلهم يشعرون ببون شاسع بين الصورة السينمائية المزيَّنة، وبين الواقع الذي يعيشونه مع زوجاتهم!
الوقفة الرابعة: حقوق المطلقة، والحضانة والولاية، والتوازن بين حقوق الأبناء وحقوق الآباء والأمهات:
إذا وَقَع الطلاق فإن الشرع يوصي بأن يكون وقوعه بصورة لا تظلم المرأة، ولا تجعلها كالمُعَلَّقة، ومَن أدرك هذا يدرك: أن عدم إيقاع الطلاق الشفهي ظلم بيِّن للمرأة التي ستكون تيقَّنت أنها سمعت الطلاق بأذنيها، بينما القاضي لا يعتد به، وأن حقَّ المطلقة على العكس من ذلك تمامًا، وهو: إعطاؤها الأدوات التي مِن خلالها تجبر الرجل المطلِّق على سرعة توثيق الطلاق الشفهي، وهو ما انتهت اليه المناقشات الدائرة في مصر منذ عِدَّة سنوات بفضل الله تعالى، كما أن الشرعَ حفظًا لحقوقها، ولحقوق الصغار، جعل الحضانة لها ما لم تتزوج.
وقد استغل البعضُ عدم شيوع العِلْم بهذه المسائل ليطعن في شرع الله تعالى؛ ولذلك لَزِم التنبيه على أهمِّ ضوابط قضية الحضانة، وهي كالتالي:
- الأم طالما وُجِدت وكانت بلا زوجٍ؛ فهي أَوْلَى الناس بحضانة الصغير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- وهل: لو تزوجت الأم بذي رحمٍ للطفل تسقط حضانتها؟ اختلف أهل العلم في هذا، ولعل الأقرب: عدم سقوط حضانتها، وإنما تسقط لو تزوَّجت بغير ذي رحمٍ للطفل.
- إذا تزوجت المرأة فقد شُغِلت بحقِّ زوجها، فمِن مصلحة الطفل نقله إلى حاضنة أخرى غير الأم المشغولة بحق الزوج؛ ولئلا يكون تحت ولاية رجل أجنبي عنه، بل غالبًا ما يرى زوج الأم فيه مزاحمًا لأبنائه في أمه، وقد يحدث غير ذلك، ولكنه نادر، والشرع لا يعلِّق الأمور "لا سيما التي يتحاكم العبادُ إليها" على النادر.
- إذا سقط حق الأم في الحضانة لزواجها، فتنتقل الحضانة عند الجمهور إلى قائمة من النساء مقدَّمات على الأب في الحضانة؛ بشرط ألا يكُنَّ ذوات أزاوج، أو يكن متزوجات مِن ذي رحم للطفل، والأقرب: أن التي تلي الأم في الحق هي الجدة أم الأم؛ فإن لم تكن فالجدة أم الأب، والبعض يجعل أيضًا الخالة بعدهما طالما لم تكن متزوجة بأجنبي عن الطفل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ" (رواه البخاري) ، ثم يأتي حق الأب في الحضانة بعد ذلك، وربما قَدَّمتْ عليه بعضُ المذاهب نساء أخريات.
ومع هذا يأتي جاهل أو مُغْرِض "أو جامع بين الأمرين" ليقول: إن الفقهَ وضعه فقهاء ذوو فكر ذكوري!
في حين أن الفقهاء إنما دورهم في الفقه هو محاولة فهم الدليل، ولا يوجد -بفضل الله- في الشَّرْع، ولا عند الأئمة الذين كَتَبَ اللهُ لهم لسانَ صدق في الأمة شيءٌ مِن هذه الأهواء.
الوقفة الخامسة: جوابٌ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر من ابن مسعود رضي الله عنه على كَاتِب المسلسل ومُرَاجِعِه:
جاء على لسانِ بطلة إحدى المسلسلات: أنها لا تَقْبَل حُكْمًا في مسألة حضانة الأطفال؛ إلا إذا قاله الله بنفسه، (وقد قَدمَّنا الحِكَم التشريعية البليغة في أمر الحضانة، وكيف أنه تشريع يحقق العدل والتوازن)، وقد زعم مؤلِّف المسلسل: أن الشيخ الأزهري الذي جاوبها لم يملك حيلة أمام سؤالها؛ إلا أن يدَّعي أنه حفظها هكذا ... !
مع أن مؤلِّف المسلسل ومراجعه لو أرادا بيان الحق؛ لجعلا الشيح يجيبها بقوله: إذا كنتِ تريدن الزواج؛ فهذا حقك، ولكن بأي حق تريدين لأولادك أن يتربوا في كَنَف زوج أم؟!
وإذا كانت الحالة هكذا، وأمها ليست على قيد الحياة، وكذلك أم طليقها (هكذا أراد المؤلف لكي تنتقل الحضانة إلى الأب)؛ فكان يسعه أن يبيِّن لها: أن حياة الأطفال مع أبيهم حتى ولو مع وجود زوجة أب أفضل من أن يكونوا في كنف زوج أم، ولو افترضنا أن أبا الأطفال ليس أهلًا للحضانة (كما ألَّف كاتب المسلسل)؛ فأمامها القضاء تثبِت من خلاله أنه ليس أهلًا للحضانة، بدلًا مِن الطَّعْن في السُّنَّة!
