عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1443هـ)
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
رمضان ... طاعات أطفأت فتنَ شُبُهات، ووحَّدت قلوبَ الأمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
"قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون"؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "بِفَضْلِ اللَّهِ: القرآن. وَبِرَحْمَتِهِ: حين جعلهم مِن أهل القرآن".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِ ) (متفق عليه) ، فيفرح المسلمون بنِعَم الله الدينية: أن جعلهم مِن أهل الإسلام، ومِن أهل القرآن، وأن وفَّقهم إلى قراءته بالنهار، والقيام به بالليل؛ خاصة في شهر القرآن "شهر رمضان"؛ حيث تتأكَّد صلاة قيام الليل، فهي في هذا الشهر مِن آكد السُّنن، وأشبهها بالفرائض؛ حيث يُسَنُّ الاجتماع لها في المساجد، ويترتَّب على ذلك فضلٌ عظيمٌ قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ورمضان هذا العام كان مبهجًا -بفضل الله- أكثر مِن أي عام؛ لأنه لأول مرة منذ مجيء وباء كورونا -نسأل الله أن يكشفه عن بلاد المسلمين-، يؤدي المسلمون عبادتهم الرمضانية بصورةٍ شبه معتادة؛ فرأينا مشاهد انشرحت لها الصدور، وكأننا نراها لأول مرة!
رأينا الأُسَرَ تخرج؛ رجالًا ونساءً في مشهدٍ مهيبٍ، يقصدون المساجد لصلاة القيام، بل لصلاة التهجد في مشهدٍ يدل على أن دِينَ الإسلام دينٌ شاملٌ منظِّمٌ لكل مناحي الحياة، "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"؛ حيث شَرَعَ تكوين الأسرة، وبيَّن كيفية تحقيق التعاون بين أفرادها، وهَدَى المرأة لِمَا يناسبها مِن الستر والعفاف، ورغَّب الأبوين في حُسْن تربية الأبناء، وشَرَع لهم العبادات التي يتقرَّبون بها إلى الله.
وبالإضافة إلى هذه المشاهد التي عشناها ورأيناها بأعيننا، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تنقل لنا على صعيدٍ آخر، مشاهد أكثر بهجة لتلك المظاهر الرمضانية في: "الكعبة" -قِبْلَة المسلمين-، وفي "مسجد النبي" صلى الله عليه وسلم ومدينته المنورة، وفي "الأقصى" -أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم-.
إن هذه المشاهد لم تكن مجرد مشاهد خير وبركات مَنَّ الله بها على المسلمين ليسرِّي عنهم بها ما أَلَمَّ بهم مِن طعناتٍ تلو طعناتٍ، مِن تكالُب الأعداء ومكرهم، واستضعافهم للمسلمين في كلِّ بقاع العالم؛ لا سيما في فلسطين، وطعنات ممَّن هم مِن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا!
ولكن مما يزيد هذه المشاهد روعة: أنها مَثَّلت ردودًا مباشرة على كيد الأعداء ومكرهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ"، وقال عز وجل: "إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ"؛ فهلم نقف مع كلِّ مشهدٍ من هذه المشاهد وقفة يسيرة؛ لنرى نعمة الله علينا فيها، ولنشكره عليها:
الوقفة الأولى: الأُسَر المسلمة تجتمع في التهجد، وأرواحهم تهفو لمَسْرَى رسولهم صلى الله عليه وسلم:
استثار الكاتبُ -مُثِيرُ الفتن- أشواقَ المسلمين إلى القدس مَسْرَى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا شَكَّك في رحلة المعراج، واستثار اليهودُ غضبَ العَالَم الإسلامي عندما ضيَّقوا على المسلمين في أداء عبادتهم لله في المسجد الأقصى، والسماح لليهود بتدنيسه بشركهم، واستبسل إخواننا في فلسطين؛ فسطَّروا ملاحم مِن رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ؛ توافدوا من كلِّ مكان لعمارة المسجد الأقصى بصلاة التراويح والتهجد!
وإن كان مِن عادة الناس تتبع صلاة القيام والتهجد في الحرمين الشريفين؛ لكونها الصلاة الأكثر عددًا في العَالَم الإسلامي، ولتعلُّق قلوب المسلمين بالحرمين الشريفين؛ إلا أنه في هذا العام كان ثالثُ المساجد شَرَفًا "المسجد الأقصى"، مِن أكثرها اهتمامًا، وعزًّا وشرفًا، وتأكيدًا على أن قلب الأمة ما زال ينبض.
الوقفة الثانية: الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات:
كل شعوب العالم -حتى التي لا تدين بالدِّين السماوي الحق دين الإسلام، ولا حتى بأي دين من الأديان التي أصلها سماوي- تعتبر الأسرة هي لبنة المجتمع، والأسرة تتكون ابتداءً مِن رجل وامرأة يتزوجان ثم ينجبان أطفالًا، ويتشاركان في مهام رعايتهم.
ولا يكاد يشذُّ عن هذا إلا سقطات نادرة في التاريخ القديم، ثم ما يحاول العَالَم الغربي أن يقودنا إليه الآن مِن إعطاء الأفراد حرية العبث بخلقتهم التي خُلِقوا عليها؛ ليمارسوا شذوذًا جنسيًّا بغيضًا، بل ويسعون ليمكِّنوا هذه الكائنات الممسوخة مِن تكوين أسر يمارسون فيها الدور الذي اختاروا أن يمسخوا أنفسهم إليه؛ لا الدور الذي خَلَقَهم الله عليه!
وقد ترنَّحت البشريةُ في ضبط العلاقة بين الرجل والمرأة، فانتقلتْ مِن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومَنَّ اللهُ على المسلمين في هذه القضية -وغيرها- بهذا الشرع الوسط العَدْل؛ الذي يحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ فأعطى لكلِّ طرفٍ مِن الطرفين إنسانيته، وفرصته في أن يتقرَّب إلى الله بكلِّ أنواع العبادات، وأن يوظِّف ما مَنَّ الله به عليه مِن قدراتٍ؛ لخدمة أسرته، ومجتمعه، ودينه.
