شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرشد (4) منابع الرشد

عبد الرحمن شريف الهواري • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما مصادر الرشد؟

كيف نحصل على الرشد؟!

هذا هو المهم، أن نجتهد حتى نصل إلى الرشد لنستطيع أن نحمل الراية.

ومن أسباب الرشد ومصادره:

1- إسلام الوجه لله: أن تُسلم وجهك لله، فبمجرد أن تخضع وتستسلم وتنقاد لله، ستُعطَى الرشد كما قال الجن: " وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ ‌فَأُولَئِكَ ‌تَحَرَّوْا ‌رَشَدًا"، أي: مَن أسلم وجهه لله تبارك وتعالى ظاهرًا وباطنًا؛ فهذا قد وصل إلى منابع الرشد؛ فهل أسلمت أنت وجهك لله؟!

وعندما تأتي كلمة: (إسلام الوجه لله)؛ فهي تحمل في طياتها: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وهي مقامات الدين الثلاثة.

2- العقيدة الصحيحة: الإسلام عقيدة وشريعة وإيمان، فإن العقيدة الصحيحة عندما ترسخ في القلب تؤدي للتعرف الحقيقي على الله عز وجل، فتحقق أركان الإيمان في قلبك، في واقعك، في أرضك، فهذا لا شك يوصلك إلى أعظم منابع الرشد (العقيدة)، لكن كيف نؤمن بالله؟!

نؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى، وبربوبيته، وأسمائه وصفاته، وباستحقاقه للإلهية وحده سبحانه وتعالى، فالركن الأول من أركان الإيمان، لو صح في قلبك؛ سيعطيك المخزون الإستراتيجي مِن: الحب، والإخلاص، والخوف والرجاء، واليقين، والتوكل، والإنابة، والإخبات لله تبارك وتعالى.

وسيجعلك تشعر فورًا بمعاني الربوبية، فتزداد يقينًا وثباتًا، وعزةً وأنفة وقوة، ويجعلك تشعر بالأسماء والصفات؛ فتستشعر الرقابة وأنك مراقب مرصود من الله عز وجل، فتنضبط الأقوال والأفعال، والظاهر والباطن، ويجعلك تؤمن أن الله وحده هو المستحق للعبادة دون من سواه؛ فهذه المعاني وحدها توصلك إلى (الرشد)؛ تمام الالتزام بأمره واجتناب نهيه.

وهذا هو أثر العقيدة الذي يجعلك مستسلمًا، خاضعًا، منقادًا لله ظاهرًا وباطنًا، مستحيًا، منكسرًا، وأنت موقن بأن الأمر بيد الله وحده سبحانه، وخصوصا لو اشتد الأذى والكرب، وكان البلاء وكانت الفتنة، وكان الاختبار والامتحان.

ولو لم يكن إيمانك بالله، وبربوبيته، وبأسمائه وصفاته قويًّا؛ فسوف يهزمك الباطل ويحبطك ويثبطك.

ولنتأمل في هذا الموقف العجيب عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في أُحُد، وبدا النصر واضحًا: " إِذْ ‌تَحُسُّونَهُمْ ‌بِإِذْنِهِ "، قُتِل حملة الراية من المشركين، وسقطت الراية على الأرض، وأعمل المسلمون فيهم الضرب، فروا وتخطوا حاجز النساء والأطفال، وهربوا وتركوا أرض المعركة، وكان هناك خمسون مقاتل على جبل الرماة، وحدثت البلبلة فنزل منهم أربعون مقاتلًا، وتبقَّى عشره، خالد بن الوليد كان مع المشركين الذين فروا؛ فرجع وطوق الجبل فقتل العشرة وأعمل الضرب في المسلمين من الخلف وعندما رآه باقي المشركين الفارين رجعوا مره أخرى و رفعوا الراية، وأعملوا الضرب في المسلمين من الأمام والخلف، فحدث الارتباك والاضطراب، وانقلبت الموازين فقُتل أكثر من سبعين مقاتلًا، وأصيب منهم الكثير حتى أصيب النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا.

مشهد مؤلم كان حول النبي صلى الله عليه وسلم تسعة محاربين فقط وهو العاشر، فقُتل سبعة كانوا من الأنصار وبقي طلحة وسعد، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم وحرز الأصحاب -رأس المال الباقي- وانسحب انسحابًا تكتيكيًّا، وصعد جبل أحد، وانصرفت قريش منتصرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بتفقد القتلى والجرحى، فنزلوا بسرعة فرأوا مشهدًا مروعًا!

رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه أن القتلى أكثر من سبعين قتيلًا، وقد مُثِّل بحمزة وفلان وفلان، فقال: إني نازل، فنزل ورأى المشهد فبكى وتأثر صلى الله عليه وسلم تأثرًا شديدًا بالمشهد، فالتف مِن حوله الصحابة، والقتلى على الأرض والجثث التي مُثل بها أمامهم، والجروح تنزف دمًا، والهم والحزن كبير على ما حدث؛ لذلك خشي النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، فربط تلك الأزمة بمعاني الربوبية، ومعاني الأسماء والصفات حتى يفيقوا من تلك الغمة، فقال: "استووا حتى أثني على ربي!"؛ تأملوا ... ! هل هذا موطن للدعاء والتضرع؟!

أراد صلى الله عليه وسلم أن يشكر الله تعالى على ابتلائه، فاستوى الصحابة خلفه فرفع يديه ودعا، وقال: "اللهم لا قابض لما بسطت (أسماء وصفات)، ولا باسط لما قبضت، اللهم لا مبعد لما قربت، ولا مقرب لما باعدت، اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، اللهم أنزل علينا من بركاتك ورحماتك وفضلك"، وتتجلَّى العقيدة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين"؛ لكن لماذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرشد؟!

هو صلى الله عليه وسلم مربٍّ و معلِّم، أسوة وقدوة صلى الله عليه وسلم، فكان يَعْلَم أن المرحلة القادمة أشد وأصعب مما مرَّ عليهم من قبل، وسيصل الخبر إلى المدينة، وسيتخطفه أهل النفاق ويهود، وبعض قبائل العرب والمشركين، وستكون حملة شرسة على الأصحاب، وقد كان! "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"، قالوا ذلك، فكان من نصح النبي صلى الله عليه وسلم ورشده أن نبههم أنهم سيحتاجون للإيمان ليزين قلوبهم ويحركها، وسيحتاجون أن يكرِّه الله إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلهم من الراشدين الذين يستطيعون أن يتخذوا القرار الصائب، وأن يسيروا على الطريق الصحيح، ويتصرفوا التصرفات الصحيحة؛ أولئك الذين لا يتأثرون بالحملات، وفعل الباطل معهم.

وعندما رجعوا إلى المدينة وجدوا الحملة قد شنت عليهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بالقرار الصعب في الوقت العصيب، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هيا لنخرج خلف قريش التي كانت قد عسكرت في حمراء الأسد، ولا يخرج معنا إلا من كان معنا في أحد!

والشاه هنا هو التأهيل بطلب الرشد مع قوة الإيمان، وكره الباطل والكفر؛ ستجعلك تثبت ولا تيأس أيًّا كانت الأحوال والأجواء.

الصفحة التالية