الرشد (4) منابع الرشد
عبد الرحمن شريف الهواري • مع الدعاة
ويحضرنا حال الأخين اللذين رجعوا من غزوة أُحُد، وكانوا مصابين ومثخنين بالجراح، وأحدهما أكثر جراحًا من الآخر، وليس معهم ركوبة، فلما سمعا المنادي، قال أحدهما لأخيه: "أترانا نتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها؟ قال: لا"، فخرج أحدهما يحمل أخاه على ظهره لمسافة، ويضعه لمسافة، وذلك استجابةً لنداء رسول الله صلى وسلم بالرغم مما هم فيه.
وهنا أيها الشباب نرى أثر العقيدة، وهو: (الاستجابة لله عز وجل)، والتضرع إليه أكثر وأكثر، قال الله تعالى:
"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"، فإسلامك الوجه لله وعقيدتك الصحيحة لو لم تصل بك إلى الاستجابة الكاملة لله ظاهرًا وباطنًا، وكذا لرسوله ولكتابه؛ فلن تصل إلى الرشد.
ومعنى الآية الكريمة: أنهم إذا استجابوا لي بعد إيمانهم بي، فسيصلون إلى الرشد الذي يتخذون به القرار المناسب، والحركة المناسبة، والسير في الاتجاه الصحيح.
3- الإقبال على القرآن بكليتك: أي سلِّم نفسك للقرآن، فالقرآن هو مصدر العلوم والحكمة والإلهام والهداية والإرشاد والدلالة ومصدر التوفيق، فأين أنت من القرآن؟! ما أخبارك مع القرآن؟ ما المسافة التي بينك وبين القرآن؟ لو أنك فعلًا تحتاج إلى الرشد فتوجه بكليتك إلى القرآن، وعش حياة القرآن، ولو كان اهتمام الشباب بالمصحف كاهتمامهم بالهاتف، ولو كان اهتمامهم بالبحث في القرآن والقصص والسنن كاهتمامهم بالبحث في المواقع؛ لكنا تغيرنا.
ونرى الجن شركائنا في الرسالة عرفوا هذا المعنى، فأول ما أسلموا كان ذلك في عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، وكانوا اثني عشر ألفًا من زعماء الجن صرفهم الله عز وجل ليستمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم في تهجده ليلًا حينما عاد من الطائف، فسمعوا وأسلموا وأسرعوا إلى قومهم ينذرونهم بما سمعوا، قال الله تعالى: "قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا" ، سمعه الجن من مره واحدة فقالوا: " يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ "، فكم سمعناه نحن؟!
نحن لدينا تقصير شديد مع القرآن؛ فلا بد أن ندرك أن القرآن مصدر إلهام نستسقي منه العلوم والحكمة والرشد، والفهم السديد، ونأخذ منه العبرة والعظة ممَّن سار على الطريق من قبلنا.
فصف حالك أي المسلم مع القرآن، وستعرف أنك هاجر للقرآن؛ ما الدليل؟!
فتصالح مع القرآن وعد إليه.
وفي الأثر: "من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومن قرأ القرآن وتدبره ولم يعمل به فقد هجره"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، فما خلقك أنت؟!
وللحديث بقية إن شاء الله.
