حاجة كل مسلم إلى الاعتناء بالسنة (2) الحرص على طلب السنة
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلماذا على المسلم أن يعتني بالسنة النبوية الشريفة؟
لا بد من تنمية الحرص على طلب السنة النبوية في النفوس؛ فهو المدخل للوصول إلى كنوز وخيرات هذا العِلْم العظيم، والانتفاع بهذه السنة في حياتنا، والذي لو حققناه لانصلح حال الأمة، بل وسادت العالم.
ومن وسائل تنمية هذا الحرص في الناس، وغرس محبة السنة فيهم: التعرف على أهمية السنة النبوية في حياتنا.
(إن نصوص سنة نبينا محمدٍ صلى الله عليه لو كانت عند أهل حضارة أخرى؛ لكتبوها في المحافل والمجامع والميادين العامة، ولتغنوا بذكرها ونقشوها في بيوتهم، بل في قلوبهم! إننا نراهم يتغنون بنصوص وحِكَم مفكريهم التي لا تعد شيئًا بالنسبة لحكمة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فيا لله العجب ما أغفلنا عن هذه الطاقة التي منحنا الله إياها، فنتركها ونذهب لدراسة طرق وأساليب توليد الطاقة المعنوية عند الشرق أو الغرب، فصدق علينا قول الله تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"!
إن حبَّ السنة ليس دعوى تُقَال باللسان، ويصرَّح بها في الخُطَب والكلمات، وتسطَّر بها الصحف وموجات الأثير، بل هي حقيقة لها علامات ومقاييس وموازين، مَن جاء بها صدق قوله وأقر على دعواه.
ومِن هذه العلامات:
1- كثرة قراءتها ومطالعة كتبها.
2- محاولة حفظها، والحزن والأسف على فوات ذلك.
3- الفرح بمجالسها ومنتدياتها ولقاءتها.
4- الشوق إليها إذا طالت الغيبة عنها.
5- تطبيقها في جميع جوانب الحياة) (راجع: مفاتح تدبر السنة والقوة في الحياة) .
(وهذا يكون بالقراءة عن أخبار السلف في تعظيمهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، واجتهادهم في خدمته، والأخبار والقصص في هذا المجال كثيرة مشهورة، وكتب السنة والتراجم قد حفلت بالكثير من الأخبار والنماذج الحية التي تبعث في نفس المسلم الهمة لتعظيم السنة والنشاط في كتابتها وحفظها، والعمل بها ونشرها والدعوة إليها.
ومن الكتب المهمة في هذا المجال: كتاب: (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي، وكتاب: (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) للخطيب البغدادي، وكتاب: (الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، وكتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر.
فينبغي على كلِّ ناصح لنفسه ألا ينقطع عن القراءة في هذا الجانب لئلا يضعف تعظيمه للسنة، وتضعف قيمتها في قلبه فيزهد فيها ويهجرها، فالقراءة عن أهمية الشيء مفتاح الاهتمام به والحرص عليه) (المصدر السابق) .
ومعلوم أن المسلم مأمور بالتزام ما جاءت به الشريعة الإسلامية من أحكام في الكتاب والسنة، كما أنه مأمور بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، ومعلوم أن أفعال المرء وأقواله لا تخرج عن الأحكام الخمسة في الشريعة: الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم، وهي تعرف من خلال دراسة الكتاب والسنة دراسة مفصلة.
وعليه فإنك أخي المسلم (لو تأملت أمور حياتك اليومية تجد أنه ما من أمر من الأمور إلا وللقرآن والسنة فيها توجيه وتعليم؛ سواء كان ذلك حركة جوارح أو حركة مشاعر، وفيها يتضح الفرق بين العالم والجاهل. إن حاجتك للعلم تتزامن مع كلِّ حركة من حركاتك اليومية التي تعد بآلاف الحركات أنت فيها إما عالم أو جاهل، عالم مغتبط بعلمك قرير العين بمنة الله عليك أو جاهل غافل تشقى ولا تدري سبب شقائك.
قال الإمام أحمد: حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ ذلك أن الحاجة للطعام والشراب تكون مرة أو مرتين في اليوم بينما حاجتهم للعلم بعد الأنفاس! وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو مَن هو في عِلْمه وفقهه، وكثرة قراءته للقرآن الكريم، ولأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فيا ليتنا نفقه هذه الحقيقة وتسيطر على أفكارنا ومشاعرنا؛ إذ لو حصل ذلك لأمكن وضع نهاية لمشاكلنا التربوية والاجتماعية ولصلحت أحوالنا الخاصة والعامة) (راجع: مفاتح تدبر السنة) .
والسُّنة مفسِّرة ومبيِّنة للقرآن في تطبيقه والعمل به: قال الله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"، وقال تعالى: "كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون".
(لقد فقه سلفنا الصالح أهمية السنة، وأدركوا عظيم قدرها، فكانوا يبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل تحصيلها، ولو كان ذلك كلمات معدودات، والأمثلة والصور والنماذج في هذا المجال كثيرة سطَّرها التاريخ بمدادٍ مِن نور، فبقيت منارات تشرأب إليها الأعناق ويقتدي بها السائرون) (المصدر السابق) .
(وبعد أن تطورت وسائل الكتابة والطباعة، وتطورت وسائل الاتصال تعارف العلماء وطلاب العلم على نسخ معينة بالضبط والإتقان تعرف بأسماء محققيها، لكن يبقى ضرورة المشافهة بها على الشيوخ للتأكد من صحة نطق اللفظ وفهم المعنى، وهذا والحمد لله متيسر في كلِّ حاضرة من حواضر المسلمين اليوم ولا يحتاج إلى رحلة، بل يحتاج إلى حرص وجود وسخاء بالوقت والجهد، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء) (المصدر السابق) .
وتتميز السنة بأمورٍ ليست في غيرها، منها:
- إنها سهلة واضحة ميسَّرة: فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم؛ لذا فأحاديثه موجزة تجمع المراد في أقل كلمات وأبلغ ألفاظ، فمعظم كلامه (بيِّن واضح يشترك في فهمه العالم والعامي والكبير والصغير والرجل والمرأة؛ عدا نسبة قليلة تحتاج إلى توضيح من جهة ارتباط بعضها ببعض، فتكون مخصصة أو منسوخة أو مقيدة، وأيضًا بعض الكلمات الغريبة تحتاج إلى بيان؛ لعدم فشو استعمالها بين الناس، أما استغلاق السنة على البعض؛ فهو بسبب عدم التدبر وضعف الصلة بها، وقلة بل ندرة القراءة، وعدم إلقاء السمع والتركيز حين سماعها، بل يسمعها بأذنه بينما قلبه في كلِّ وادٍ مِن أو أودية الدنيا يهيم، بعد ذلك يقول: إن فهم السنة أمر صعب، فيؤثر الانشغال بالقيل والقال على سماع السنة وتعطير المجالس بها) (المصدر السابق) .
