حاجة كل مسلم إلى الاعتناء بالسنة (2) الحرص على طلب السنة
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
لذا (فينبغي أن نقرِّب السنة للناس، ونقتصر في بيانها وشرحها على ما تدعو الحاجة إليه، ولو كان الشرح قليلًا؛ لأننا إذا فعلنا ذلك نرسِّخ في أذهانهم أن السنة واضحة سهلة، فيقبلون على قراءتها وتدبرها؛ أما أن نقعد ونهول ونبالغ في شرح بعض العبارات؛ فهذا وإن كان قصد قائله خدمة السنة وحراستها، فإنه قد يؤدي إلى عكس مقصوده) (المصدر السابق) .
- إنها حماية من الانحراف الفكري والسلوكي: مما لا شك فيه أن تربية النشء والأمة على ما ورد في الكتاب والسنة في قضايا التوحيد والفكر، والتربية والسلوك يصحِّح كثيرًا مِن المفاهيم، وينعكس ذلك على سلامة الأمة وأمنها مِن كثيرٍ مِن المشكلات الفكرية والتربوية.
وهذه كلمة نوجهها (إلى المسئولين عن التربية والتعليم في العالم الإسلامي: إن أردتم الأمن والسلامة من المشكلات الفكرية والتربوية؛ فليس أمامكم إلا القرآن والسنة ببرامج مكثفة، وبيان واضح يمنع الانحراف، فيفهمها وينزلها على غير ما دلَّت عليه. إن التاريخ يشهد أن العلاقة طردية بين العلم -ومنه: التوحيد- وبين الأمن، وقبل شهادة التاريخ شهادة رب العالمين إذ يقول: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، فمحاولة إبعاد العلوم الشرعية عن مناهج التعليم أو تقليصها مع الإغراق في العلوم الدنيوية بحجة سوق العمل؛ فهذا سيكون على حساب أمن المجتمع واستقراره على المدى البعيد، وبوادر ونذر هذا الخطر بدأنا نذوقها من أقرب الناس إلينا.
إن العودة الصادقة لتدبر القرآن والسنة بطريقة صحيحة، وبآليات كافية؛ لهو السبيل لتحقيق الأمن المنشود والرخاء المقصود.
إن تغييبَ بعض نصوص القرآن والسنة بحجة علاج المشكلات الفكرية؛ هو سبب في توليد مثل هذه المشكلات؛ فغياب دور نصوص الكتاب والسنة في مناهج التربية والتعليم أو عدم بيان هذه النصوص بيانًا صحيحًا يجعل شبابنا يتقبل أفكار ومفاهيم مغلوطة محرفة، أو يطبقونها تطبيقًا خاطئًا، فيجنون على أنفسهم وأمتهم.
لقد انتشرت في أيامنا الحالية برامج للتنمية البشرية، والبرمجة اللغوية العصبية، ودورات في التطوير والتغيير كلها صور من الاستيراد الثقافي مأخوذة ومترجمة من الحضارة الغربية.
(إن التبعية الفكرية للحضارات القوية في العالم انهزامية غير مقبولة مهما كان المبرر والواجهة التي غلف بها والجسر الذي تعبر فوقه إلى ثقافتنا وحضارتنا، (إننا لن نتحرر ماديًّا حتى نتحرر فكريًّا)، (والسبب في وجود هذه الظاهرة عدم التفريق بين الاستيراد الممنوع وبين الانتفاع المشروع بما عند الحضارات الأخرى في أمور الحياة المادية؛ فهذه مسألة يقع الخلط فيها كثيرًا، ولا يوفَّق للبصيرة في هذا الأمر إلا مَن هدي إلى الصراط المستقيم الذي فَرَض على المسلم أن يدعو بالهداية إليه كل يوم سبعة عشر مرة على الأقل).
ورغم أن هذه الأفكار والمفاهيم (ينتهي إسنادها إلى الحضارة الغربية وهي مقطوعة الإسناد عن القرآن والسنة) (المصدر السابق) ، فإنك (حينما تستمع لمدربي البرمجة وهم يشرحون فرضياتها أو يدافعون عنها ويجيبون عما أورد عليها من ملاحظات؛ فإنك تتعجب: كيف يحاول هؤلاء التشبث بمثل هذه الفرضيات والدفاع عنها، مع أن عندهم أضعاف أضعافها من حِكَم وقواعد موجودة في السنة النبوية تظهر لمَن قرأها وتدبرها وأطال الوقوف عند حكمها.
إن مثل هذا التمسك والاعتداد والفرح بهذه الفرضيات يُقبَل من أولئك الذين لا يعرفون القرآن، ولم يطلعوا على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه منتهى علمهم وهم يحسبون بما قرروه أنهم حازوا سَبْقًا علميًّا، واكتشفوا أدواتٍ لم تكن موجودة في هذا الوجود، فيحسن بالمشتغلين بهذا العلم أن يعطوا من وقتهم القدر الكافي لتدبر السنة والتأمل في مضمونها؛ إذ إنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا ضالتهم المنشودة، ولاستغنوا بما عندهم عما عند غيرهم، ولعلموا أن ما يسعون لتحقيقه من تغيير وتطوير موجود في السنة.
فيا أيها المدرِّبون، ويا أيها المبرمجون: خذوا من السنة النبوية ما تشاءون من المُسَلَّمَات التربوية والقواعد النفسية، فهي معين لا ينضب، وكنز لا يفنى، خذوا واشرحوا واعقدوا الدورات لتطوير الحياة.
إنها دعوة مفتوحة إلى مَن آتاهم الله العلم بركنيه: الفهم (الذكاء)، والحفظ (الذاكرة)، أن يبينوا للناس القواعد التربوية والمسلَّمات النفسية، ويدربوا الناس عليها، ويبينوا تطبيقاتها في الحياة.
إن هذه القواعد هي التي تمكَّن بها النبي صلى الله عليه وسلم من تغيير الناس، وتطويرهم من أمة بدوية بدائية إلى أمةٍ ذات حضارة قويمة مكينة، استمرت قرونًا طويلة، ولا تزال تملك تلك الطاقة التي تمكِّنها بعون الله أن تعود إلى ما كانت عليه) (المصدر السابق بتصرفٍ) .
هل وصلت التبعية للغرب أننا صرنا لا نستطيع أن نربي أبنائنا إلا عن طريق مَن تشربوا علوم جامعات الغرب والشرق الفكرية والتربوية المادية التي حَوَت بين جنبيها الغث والسمين؟!
نعم (إن كان المراد أن هؤلاء جمعوا بين التخصص في القرآن والسنة وتحت لوائهما فحسن، أما إن كانت الأخرى وهو الواقع والمُشَاهَد؛ فلا (المصدر السابق بتصرفٍ) .
- أنها نبراس للعلوم التربوية: (إن السنة النبوية لمَن فَتَح الله تعالى له أبوابها هي المنطلق لإطلاق قدرات الإنسان، وهي الوقود الذي يولِّد الحماس والنشاط، والطاقة والإبداع)، قال تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا)،
يقول ابن القيم رحمه الله: (وما ظنك بمَن إذا غاب هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام! وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم؛ فيجب على كلِّ مَن أحب نجاة نفسه أن يعرف هديه وسيرته وشأنه، وما يخرج به عن خطة الجاهلين، والناس بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) (مختصر زاد المعاد) .
