الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (66) الدِّين الإبراهيمي الحق يستلزم حجَّ بيت الله الحرام وقصده (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الفائدة السابعة: هذه الآية: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) هي التي يَبِين منها مقصود عنواننا من هذه السلسلة من مقالات: "الدين الإبراهيمي"، وهو: أن الحج من أركان دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم قديمًا وحديثًا؛ فقد حج إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وحجت سارة، وحج إسحاق، وحج إسماعيل صلى الله عليهم وسلم، وحج موسى صلى الله عليه وسلم، ويحج عيسى صلى الله عليه وسلم قبل يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما مَرَّ بوادي الأزرق: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ ) (رواه مسلم) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا) (رواه مسلم) ، وهذه الأحاديث في الصحيح، وقد سبق ذكرها وتخريجها.
فكل مَن اتبع إبراهيم صلى الله عليه وسلم على دينه وَجَب عليه الحج؛ لأن إبراهيم نادى بأمر الله له: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج: 27-29) .
فنادى إبراهيم: إن لله بيتًا فحجوه، وهذا الأمر للوجوب، والآيات والأحاديث تدل على وجوب الحج على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في شرعهم، ولكنهم ضيَّعوا ذلك، وتركوا هذه الفريضة، وتركوا تعظيم الكعبة واستقبالها؛ رغم النصوص الصحيحة في تعظيمها في التوراة؛ فهي جبال فاران التي استعلن منها الرب، أي: أنزل الكتاب الذي فيه أوضح البيان، وأعلنه وأصرحه عن وحدانية الله، وبيان أدلة هذه الوحدانية بأنواعها: توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات؛ فأعظم وأعلن كتاب تضمَّن التعريف بأسماء الله وصفاته، وحقوقه، هو: "القرآن العظيم"، بما لم يَرِد في الكتب السابقة، وإن كان يصدقها في أصل ما جاءت به.
وبرية فاران هي التي سَكَنها إسماعيل بنصِّ التوراة، وقد نصَّت التوراة أيضًا على أن الله استجاب لإبراهيم في إسماعيل، وأن الله يجعل منه أمة عظيمة يلي أمرهم اثنا عشر رئيسًا، وليس للعرب شأنٌ، ولا أن أمتهم سارت أمة عظيمة؛ إلا ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومع هذا اليهود والنصارى أبوا ويأبون حج بيت الله الحرام، فقد سار الحج ركنٌ من أركان الدِّين الإبراهيمي الحق؛ دين الإسلام، دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأصبح تعظيمه وقصده في الصلاة علامة على الانتساب إلى هذا الدِّين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ ) (رواه البخاري) .
ومفهومه الواضح: أن مَن صلَّى غير صلواتنا الخمس بهيئتها المعروفة مِن: القيام والركوع والسجود، وأعداد الركعات؛ فليس بمسلمٍ إذا كان يصلي صلاة غيرها، ويأبى أن يصلي؛ لا بمجرد الترك الذي فيه الخلاف المعروف، ومَن استقبل قبلة غير الكعبة المشرفة؛ فليس بمسلم، قال الله تعالى: ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ).
فلا يصح أن ينسب أحدٌ إلى دين إبراهيم، وهو يأبى الحج، وهذا هو مقصود ما نُقِل عن الصحابة رضي الله عنهم في تكفير مَن لم يحج، وهو مَن يأبى الحج ويرفضه، ويرفض الانقياد لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقصد البيت الحرام، وهو أمر إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما أنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسارت مسألة من مسائل الفرقان بين الحق والباطل.
وليس مجرد ترك الحج مع الإقرار بوجوبه، والعزم على فعله في المستقبل ولو كان قادرًا عليه الآن مِن هذا الباب؛ أما مَن يأبى ويقول: "إن الحج وثنية!"، كما يقوله زنادقة في زماننا! أو فيه مِن الوثنية: كتقبيل الحجر الأسود، أو أنه لا يقتنع بالطواف حول أحجار، ولا برجم أحجار، وكذا مَن يرى أو ترى: أن الأضحية غير مقبولة؛ لأنه ليس مِن المقبول أن تُزهق أرواح ملايين الحيوانات البريئة -كما تزعم- مِن أجل منام رآه بعض الصالحين؛ فهذا كله مِن الكفر والعياذ بالله، والردة الصريحة عن دين الإسلام؛ دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ودين إبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين، وعلى كل الأنبياء.
فهذه الآية الكريمة تبيِّن بطلان الدعوة الجديدة المستحدثة التي خطط لها اليهودُ بعونٍ مِن نصارى الغرب بدينٍ موحَّدٍ بين المسلمين واليهود والنصارى؛ هدفه هدم الإسلام دون غيره من الأديان؛ لأنه الذي يقف في وجه مخططات اليهود.
هذا الدين المزعوم الذي لا توجد فيه أماكن مقدسة خاصة، بل المشترك منها فقط؛ يعنون المسجد الأقصى، ولا توجد فيه أماكن عبادة مستقلة، بل مجامع أديان للعبادة المشتركة، واعتماد الرقص كما يقوله "إلياس عميدون" زعيم الطريقة الصوفية العالمية، أحد مؤسسي ما يسمَّى بمسار إبراهيم الذي آخر خطوة فيه: الدين الإبراهيمي الجديد، بعد الولايات المتحدة الإبراهيمية في جمع دول منطقة الشرق الأوسط في كيانٍ واحدٍ بزعامة اليهود، حيث يقول في طريقته الصوفية العالمية، واعتماد الرقص كآلية لإزالة الخلافات بين الشعوب!
