الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (66) الدِّين الإبراهيمي الحق يستلزم حجَّ بيت الله الحرام وقصده (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله تعالى: ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران: 95-97) .
الفائدة الرابعة: بركة الكعبة المشرفة أمر مشاهد محسوس؛ في الأرزاق والأقوات، والطاعات والعبادات، وغير ذلك، ومضاعفة أجر الصلاة فيه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وقد طَرَد بعضُ العلماء ذلك في جميع العبادات؛ في الصيام، والصدقة، وقراءة القرآن والذِّكْر، ولا دليل صحيح على ذلك، والأحاديث في فضل رمضان بمكة ضعيفة، والله أعلم.
والناس يجدون من الهمة والعزيمة على الطاعة والقدرة على العبادة في الحَرَم ما لا يجدون في غيره، وهذا من بركة بيت الله الحرام، كما أن أحوال القلوب في الحرم وما حوله، يتضاعف الخير فيها، ويبعُد عنها الشر أكثر من غيرها.
ومن البركة العجيبة في ذلك: اتساع هذه البقعة الصغيرة لملايين البشر في الحج والعمرة؛ خاصة في المواسم، والله سبحانه وتعالى قد جعل هذا من بركة البيت؛ ولذا لا يُمنَع أحدٌ شرعًا مِن حج بيت الله الحرام ومن العمرة والطواف متى قَصَد ذلك وأراده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، فلا يصح منع الناس مِن الحج والعمرة، والأعداد يتسع لها مكان المشاعر ببركة الله عز وجل التي جعلها في هذه البقعة.
الفائدة الخامسة: الهداية الحاصلة ببيت الله الحرام لمَن قصده أو صلى إليه من آيات الله سبحانه؛ فهي هداية لكلِّ مِن قصده مَن العالمين "هُدَىً للعالمين"، ولعل هذه الهداية التي تحصل للعالم كله إذا قصدوا البيت هي السبب في مشروعية الحج والعمرة للصبيان وغير المميزين؛ لما يَحْدُث لهم من الهداية في مستقبل عمرهم؛ روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: ( مَنِ الْقَوْمُ؟ ) قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ( رَسُولُ اللهِ )، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ ).
بوَّب النووي رحمه الله على هذا الحديث: "باب صحة حج الصبي وأجر مَن حج به"، وقال: "فيه حُجَّة للشافعي ومالك وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يُثَاب عليه، وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه؛ قال أصحابه: إنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بَلَغ، وهذا الحديث يرد عليهم.
قال القاضي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يُلتفَت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه، وتجري عليه أحكام الحج، وتجب فيه الفدية، ودم الجُبْرَان، وسائر أحكام البالغ؛ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول: إنما يجب ذلك تمرينًا على التعليم، والجمهور يقولون: تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون حجه منعقد، يقع نفلًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له حَجًّا. قال القاضي: وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام" (انتهى من شرح النووي على مسلم) .
الفائدة السادسة: الأمن الذي شَرَعَه الله لمن دخل الحرم ثابتٌ شرعًا بلا استثناء؛ إلا الساعة التي أحله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وإلا مَن ارتكب جُرْمًا في الحرم، وأما كونًا: فهو في الأغلب الأعم كذلك، وقد يقع خوفٌ كاستثناء لمَن دَخَل الحرم كما حدث أيام حصار الحجاج لمكة أيام ابن الزبير، إلى أن قُتِل ابن الزبير رضي الله عنهما، وكذا أيام القرامطة، وغيرها: كأيام فتنة جُهيمان؛ فهذا لا ينافي أن الحَرَم في الأصل آمن في معظم الأحيان، وكل ما حدث من إخافةٍ لأحدٍ لم يرتكب جرمًا في الحرم؛ فهو مخالف للشرع.
فالواجب تأمين كل مَن دخل مكة؛ خاصة مَن قصد البيت للحج والعمرة والطواف مسلمًا؛ لأن الله حَرَّم مكةَ على المشركين، قال الله عز وجل: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) (التوبة: 28) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ) (متفق عليه) ، وباتفاق العلماء: لفظ الشرك هنا يعم اليهود والنصارى، وغيرهم مِن أهل الملل، وليس فقط عُبَّاد الأوثان.
وأما مَن ارتكب جُرْمًا يستوجب حدًّا أو تعزيرًا، ثم لجأ إلى الحَرَم: فالصحيح من أقوال العلماء: أنه لا يهيَّج، ولا يؤخذ في الحرم، بل يضيق عليه؛ فلا يُبايَع ولا يشترى منه، ولا يعامَل بأي وجوه المعاملة حتى يخرج مِن الحرم فيؤخذ حين إذًا؛ فيُعاقَب بما يستحق من حدٍّ أو تعزير.
ومِن أهل العلم مَن أجاز أخذه من الحرم، وليس بصحيح؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "لو وجدتُ قاتلَ عمر في الحرم ما نَدَهْتُهُ -أي: زجرته-" (أخرجه عبد الرزاق في مسنده) ، وروى عبد الرزاق -أيضًا- والأزرقي في أخبار مكة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لو وجدتُ فيه -أي: في الحرم- قاتل الخطاب، ما مسستُه حتى يخرج".
أما مَن ارتكب الجُرْمَ في الحَرَم؛ فهو الذي انتهك حُرْمَة الحرم وأمانه؛ فيجب منعه مِن ذلك بعقوبته حدًّا أو تعزيرًا.
