منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (1)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
قال ابن كثير -رحمه الله-: "( فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ ): من الكلام والمناجاة، ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ): على ذلك. ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) أي: بعزم على الطاعة. ( سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) أي: سترون عاقبة مَن خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب!"، وقال -تعالى- لبني إسرائيل: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ ) (البقرة: 63) ، قال الحسن: يعني التوراة. ( بِقُوَّةٍ ) أي: بطاعة، قال مجاهد: بقوة: بعمل بما فيه، قتادة: قوة الجد. ( وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ): اقرأوا ما في التوراة، واعملوا به.
وقال -تعالى- لنبيه يحيى -عليه السلام-: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) (مريم: 12) ، قال ابن كثير: "كان سنه إذ ذاك صغيرًا؛ فلهذا نوَّه بذكره، وبما أنعم عليه وعلى والديه. ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) أي: تعلَّم الكتاب بقوة، أي: بجد وحرص واجتهاد، ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) أي: الفهم والعلم، والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث السن".
وقال -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم وللأمة كلها في شخص النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الزخرف: 43) ، قال ابن كثير: "أي: خذ بالقرآن المنزَّل على قلبك؛ فإنه الحق، وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم".
وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) (الأعراف: 170) ، قال ابن كثير: "أي: اعتصموا به، واقتدوا بأوامره، واتركوا زواجره".
وإنما يحيد الإنسان عن هذا النهج إن فقد ما كان عليه من القوة في أخذ الدِّين، وإنما سقط مَن سقط ويسقط مَن يسقط مع الشبهات -أو مع أول شبهة تعرض له- أو الشهوات -أو أول شهوة تعرض له-؛ هذا لو صارت نفسه مهيئة للسقوط، والعودة إلى المعاصي والذنوب؛ لوجود رواسب من الجاهلية المخالفة للإسلام مِن حبِّ الدنيا والطمع فيها، وفضول الأكل والشراب، والنوم، والكلام واللغو، والقيل والقال، ثم الوقوع في المعاصي والآثام وانتهاك الحرام، وعدم الصبر على مشقة طريق الالتزام الموصِّل لجنة الرحمن.
وهنا يجب أن تكون الوقفة الجادة مع النفس، وحملها على تحمُّل مرارة الدواء والعلاج من أجل السلامة والشفاء؛ بمخالفة هوى النفس، واليأس من الجمع بين حب الدنيا والعمل للآخرة.
لقد فقدنا برحيل رمضان مظاهر الجماعية التي كنا عليها في طاعات وعبادات رمضان، وعدنا إلى العمل بالطاعات في فردية ما قبل رمضان، فردية مبناها ومدارها على الإخلاص والمداومة على العبادات والطاعات وإن قلَّت، فالصيام بعد رمضان ما زال مطلوبًا، ولكنه لم يصبح واجبًا، بل تطوعًا، ما تيسر منه لا سردًا، والمساجد ما زالت مفتوحة ليل نهار لم تغلق، والقرآن ما زال موجودًا في الأمة لتلاوته والعمل بمقتضاه، ولم يرفع، وقيام الليل والتهجد ما زال مرغوبًا فيه، ولكنه أصبح فرديًّا لا في جماعة.
والتزامنا الجاد المثمر في رمضان ما زال ممكنًا إن قدَّمنا طلب الآخرة على طلب الدنيا، ولم ننشغل بتعمير الدنيا عن تعمير الآخرة، والخاسرون مَن يطلبون مِن الدنيا ما يطغيهم، ولا يكتفون من الدنيا بما يكفيهم، وأسوأ الناس مَن طلب الدنيا بضياع الدِّين.
والمسلم أحوج ما يكون في أوقات الفتن إلى الثَّبَات على هذا المنهج، والقُرب من الله -تعالى-؛ فلا ينشغل بالمعاصي والذنوب، ويقع أسير الغفلة والشرود، فيعرض عليه الحق فلا ينتبه له، ويبيِّن له الصواب فيفرِّط فيه، فتجرفه الفتن والضلالات معها فيهلك، وقال -تعالى- في شأن أقوام عُرِض عليهم الحق وهم في غفلتهم فلم يقبلوه: ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الأنعام: 110) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الأنفال: 29) ، ففي وقت الفتن يجب أن تنبض القلوب بالإيمان، وتستيقظ النفوس، وتنتبه العقول ليكون المرء دائمًا على استعداد لقبول الحق متى عُرِض عليه؛ فقد لا يُعْرَض عليه هذا الحق إلا مرة واحدة لا تتكرر، ويفرِّط هو فيها، ولا يكون كمال ذلك إلا بإخلاص القلب وإصلاحه، واجتهاد الجوارح في الطاعة، وطلب الحق بالرجوع إلى علماء الأمة المعتبرين الراسخين.
والمسلم التقي مسلمٌ استفاد بعد رمضان من دروس رمضان وعِبَرِه، فبقيتْ معه بعد رمضان يعمل بمقتضاها ويهتدي بهديها، ومنها:
اغتنام الأوقات:
فلقد تعلَّمنا في رمضان اغتنام الأوقات الفاضلة، والصحة والعافية في الطاعات المقرِّبة من الله -تعالى-، والأوقات الفاضلة ليست قاصرة على رمضان، فهناك بعد رمضان أيام كثيرة و مواسم ومناسبات لها فضلها الكبير في الشرع، بل في كل يوم من الأيام ساعات فاضلة يضاعف فيها الثواب: من وقت الشروق إلى الضحى، ومن بعد العصر إلى المغرب، وفي الثلث الأخير من الليل، إلى جانب ارتياد المساجد للجمع والجماعات، وصيام الست من شوال، وصوم الأيام البيض من كل شهر، والاثنين والخميس من كل أسبوع، وختم القرآن الكريم مرارًا من خلال ورد يومي ثابت لا ينقطع، وأذكار الصباح والمساء كل يوم، وغير ذلك.
