شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

واستثمار مثل هذه الأوقات هو امتداد طبيعي لما كان من استثمار في رمضان، وهي من باب استثمار الحياة قبل الموت، واستثمار الصحة قبل المرض، واستثمار الغنى قبل الفقر، واستثمار وقت الفراغ قبل الانشغال؛ خاصة أن العمر يمضي سريعًا، فها هو شهر رمضان مَرَّ كما قال -تعالى- عنه: ( ‌أَيَّامًا ‌مَعْدُودَاتٍ ) (البقرة: 184) ، وهكذا العمر كله كما قال عنه الله -تعالى- أشبه بساعة، قال -تعالى-: ( ‌وَيَوْمَ ‌يَحْشُرُهُمْ ‌كَأَنْ ‌لَمْ ‌يَلْبَثُوا ‌إِلَّا ‌سَاعَةً ‌مِنَ ‌النَّهَارِ ‌يَتَعَارَفُونَ ‌بَيْنَهُمْ ) (يونس: 45) ؛ فلنجعل هذه الساعة في الطاعة طلبًا لما هو خير منها، وقال -تعالى-: ( ‌قَالَ ‌كَمْ ‌لَبِثْتُمْ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌عَدَدَ ‌سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ . قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (المؤمنون: 112-114) .

الخوف من عدم القبول:

كان العبد في رمضان إذا انتهى يوم صومه يتمنَّى من الله -تعالى- أن ينال ثواب صوم هذا اليوم معلقًا قبول صومه على مشيئة الله -تعالى-، فيقول: ( ‌ذَهَبَ ‌الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ؛ فكذلك عليه أن يدعو ربه بعد رمضان شهرًا بعد شهر، ويلح في الدعاء أن يقبل الله -تعالى- ما قدَّمه في رمضان الفائت، وذلك حتى يبلغ رمضان الذي بعده، وعلى هذا كان حال السلف، يدعون ربهم ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا مرَّ دعوا الله بعده ستة أشهر أن يقبل منهم ما قدموه في رمضان، قال -تعالى- في أهل الإيمان: ( ‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌هُمْ ‌مِنْ ‌خَشْيَةِ ‌رَبِّهِمْ ‌مُشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون: 57-61).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ): أي: يعطون العطاء وهم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم؛ لخوفهم أن يكونوا قد قصَّروا في القيام بشروط العطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط"، وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )؛ هو الذي يسرق ويزني، ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم، ويتصدق، وهو يخاف الله -عز وجل-، وعند الترمذي وابن أبي حاتم: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات".

وهذا نبي الله إبراهيم يستجيب لأمر الله -تعالى- له ببناء البيت الحرام، ومع قدره وقدر ما كُلِّف به أخذ يدعو طالبًا من الله -تعالى- قبول العمل، قال -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌يَرْفَعُ ‌إِبْرَاهِيمُ ‌الْقَوَاعِدَ ‌مِنَ ‌الْبَيْتِ ‌وَإِسْمَاعِيلُ ‌رَبَّنَا ‌تَقَبَّلْ ‌مِنَّا ‌إِنَّكَ ‌أَنْتَ ‌السَّمِيعُ ‌الْعَلِيمُ ) (البقرة: 127) .

الحذر من العُجْب:

فإذا كان العبد لا يدري: أقبل منه العمل أم لا؛ فعليه بالتالي أن لا يأخذه العجب بما قدَّم في رمضان، كما أنه ليس للعبد مطلقًا أن يمن على ربه، قال -تعالى- في أقوام: ( ‌يَمُنُّونَ ‌عَلَيْكَ ‌أَنْ ‌أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (الحجرات: 17) ، وإذا كان المنُّ على العبد -وهو عبد مثلك- بالصدقة يبطلها؛ فكيف بالمن على الله عز وجل وهو ربك؟! قال -تعالى-: ( ‌يَا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌لَا ‌تُبْطِلُوا ‌صَدَقَاتِكُمْ ‌بِالْمَنِّ ‌وَالْأَذَى ‌كَالَّذِي ‌يُنْفِقُ ‌مَالَهُ ‌رِئَاءَ ‌النَّاسِ ) (البقرة: 264) ، وكيف يمن العبد على ربه، وهو الذي بلَّغه رمضان ووفَّقه للصيام والقيام والعمل الصالح فيه، فلله -تعالى- عليه الحمد والمنة؛ فليحذر العبد كل الحذر من العجب بما وفقه الله إليه في رمضان.

الإكثار من شكر الله -تعالى-:

وذلك بالإكثار من الحمد والشكر والتكبير، وهذا مطلوب في كل عمل وطاعة ونعمة، قال -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( ‌إِذَا ‌جَاءَ ‌نَصْرُ ‌اللَّهِ ‌وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) (النصر: 1-3) ، والمسلم إذا صلَّى كان من أذكاره بعد الصلاة الاستغفار ثلاثًا، وفي حق انتهاء صوم رمضان خاصة، قال -تعالى-: ( ‌وَلِتُكْمِلُوا ‌الْعِدَّةَ ‌وَلِتُكَبِّرُوا ‌اللَّهَ ‌عَلَى ‌مَا ‌هَدَاكُمْ ‌وَلَعَلَّكُمْ ‌تَشْكُرُونَ ) (البقرة: 185) ، قال ابن كثير -رحمه الله-: "( ‌وَلَعَلَّكُمْ ‌تَشْكُرُونَ ): أي: إذا قمتم بما أمركم به الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وحفظ حدوده؛ فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة