منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (1)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما أكرمَ اللهُ -تعالى- به الأمة الإسلامية أن فَرَض عليها صيامَ نهار رمضان، ونَدَب قيام ليله جماعة، ورتَّب على ذلك الثواب العظيم، والله -تعالى- يصطفي من الأزمنة والأمكنة ما يشاء، ويجعل فيها من الفضل والخير والبركات ما ليس في غيرها.
فصيام شهر رمضان وهو فرض، بل ركن من أركان الإسلام يغفر الله -تعالى- به للعبد ما تقدَّم من ذنبه، وقيام الشهر -وهو ليس بفرض- يغفر الله -تعالى- به للعبد ما تقدَّم من ذنبه، وقيام ليلة القدر -وهو ليس بفرض- يغفر الله -تعالى- به للعبد ما تقدَّم من ذنبه، بل لله -تعالى- في هذا الشهر المبارك من المتقين والمجتهدين في الطاعة والعبادة لله -تعالى- عتقاء من النار، وهذا فضل الله -تعالى- يؤتيه مَن يشاء، ولله الحمد والمنة.
وتنفرد الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم على وجه الأرض بتعظيم شهر رمضان الذي عظَّمه الله -تعالى- وفضله؛ ففيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وفيه تُصفَّد مردة الشياطين، وينادي منادٍ مِن قِبَل الله -تعالى-: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر"، وفيه ليلة مباركة هي خير من ألف شهر، مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم، ليلة ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (القدر: 4-5) ، ليلة مباركة، تكتب فيها مقادير العباد خلال حول كامل، ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (الدخان: 4) .
وما إن يهل شهر رمضان؛ إلا وتجد المسلمون في شِتَّى بقاع الأرض يتنافسون في الخيرات، ويتقلبون في الطاعات القولية والفعلية والمالية ليل نهار، من صيام النهار وارتياد المساجد لأداء الصلوات الخمس في جماعة، والاستماع إلى دروس العلم، والإكثار من قراءة القرآن وختمه، إلى قيام أول الليل في جماعة والتهجد في آخره، مع الإكثار من الدعاء، وذكر الله والاستغفار، إلى إطعام الطعام والتصدق بالأموال على الفقراء والمساكين، والإحسان إلى الضعفاء والمحتاجين، مع حسن أخلاق وطيب معاملة وعشرة؛ لذا فكثير من المسلمين -بفضل الله- يَخْرج من هذا الشهر المبارك بالمغفرة والثواب الجزيل.
ونحتاج هنا إلى وقفة نستلهم منها ما ينبغي أن نكون عليه بعد رمضان، وحتى يمن الله -تعالى- ببلوغ رمضان الذي بعده، من خلال دروس وعِبَر مستفادة من رمضان هي زاد للمسلم الذي يحدد له منهاجه في مشوار حياته من رمضان إلى رمضان، حتى يَلْقَى ربه، فيفرح بما قدَّم مِن عمل في رمضان، ويجد ثوابه ما زال باقيًا في صحف أعماله.
لماذا كنا في رمضان أفضل من قبله؟
كنا في رمضان أفضل مما كنا قبله؛ لأننا حقًّا أخذنا الدِّين في رمضان بقوةٍ، ورغبنا فيما عند الله -تعالى- من الثواب الذي وعدنا به، وثواب الله لا ينقطع في رمضان وبعده، فقدَّمنا طلب الآخرة على طلب الدنيا.
وتعدَّدت مظاهر ذلك وتنوَّعت:
- فمِن الازدياد في الطاعات البدنية والقولية والمالية ليل نهار، في نظرة شمولية للدِّين لا تكتفي بجانبٍ منه دون جانب؛ مصداقًا لقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (البقرة: 208) ، الذي يحثُّ العبادَ على الأخذ بجميع جوانب الدِّين في كلِّ وقتٍ، وهذا حال الكُمَّل مِن البَشَر، كما وَصَف الله نبيه عيسى -عليه السلام-: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) (مريم: 31) ، وهذا من أكبر مظاهر الجدية في الالتزام بالدِّين، والأخذ والرضا به كله؛ خلاف مَن يأخذ ببعض جوانبه، ويقصِّر في أخرى.
- ومِن المسارعة إلى العمل بكلِّ هذه الخيرات جميعها دون تأخير أو تسويف؛ فلا تؤخَّر طاعة عن وقتها، ولا يُتهاون في طاعةٍ بسبب ما أو على حساب أخرى، وهذه هي المسابقة المطلوبة في الخيرات، وما زال أقوام يسارعون في الطاعات، ولا يتأخرون فيها حتى نالوا الدرجات العلا، ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (آل عمران: 133) ؛ وإلا فما زال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله -تعالى-، والجزاء هنا قطعًا من جنس العمل.
- ومِن الثبات على ذلك بيقين لا يتأثر بالشبهات، وإخلاص لا يتأثر بالشهوات، وبزهد لا يلتفت إلى أمور الدنيا، وبورع لا ينغمس في المتشابهات، ( فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ) (متفق عليه) ، ومَن هذا حاله؛ فلا يجزع للابتلاءات، ولا تفسده الإغراءات.
- ومِن الصبر على أداء الواجبات المفروضة، وترك المحرمات الممنوعة لمدة شهر كامل متواصل، ورمضان شهر الصبر، والصبر صفة أهل الثبات، قال -تعالى-: ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) (مريم: 65) ، وقال -تعالى-: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (طه: 132) .
وهذه القوة في التمسُّك بالدين يجب أن تكون منهجًا للمسلم بعد رمضان، كما كانت منهجه في رمضان؛ فقد ثَبَت له في رمضان أن هذا النهج يمكنه السير عليه لأسابيع عديدة، وهذا نهجٌ، أمر الله -تعالى- به رسله وأنبياءه، وأمر به أتباعهم مِن بعدهم، وهو مأمور به في رمضان وبعد رمضان، وإن كان في رمضان بالطبع أوكد، والهمة فيه أشد، وقد قال -تعالى- لنبيه موسى -عليه السلام-: ( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (الأعراف :144) ، وقال -تعالى-: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) (الأعراف: 145) .
