شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رفع الحجاب عن تبرك فاطمة بالتراب

أشرف الشريف • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أخرج ابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه: "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن"، وابن النجار (ت 643 هـ) في "الدرة الثمينة في أخبار المدينة"، وعنه: ابن عساكر (ت 686 هـ) في "إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم" من طريق أبي الْحُسَيْنِ بْنُ الآبَنُوسِ، قَالَ: أَنْبَأنَا عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، حَدَّثَنِي طَاهِرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ: "لَمَّا رُمِسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَوَقَفَتْ عَلَى قَبْرِهِ ‌وَأَخَذَتْ ‌قَبْضَةً ‌مِنْ ‌تُرَابِ ‌الْقَبْرِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى عَيْنَيْهَا وَبَكَتْ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:

مَاذَا عَلَيَّ مِنْ شَمِّ تُرْبَةِ أَحْمَدَ أَنْ لا يُشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا

صُـبَّـتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا صُـبَّـتْ عَلَى الأَيَّامِ عُـدْنَ لَيَالِيَا

ولنا مع هذا الأثر عن السيدة فاطمة رضي الله عنها عِدَّة وقفات:

أولًا: هذا الخبر مع البحث لم أقف عليه منسوبًا إلى سيدتنا فاطمة في الكتب، قَبْل القرن السادس، ومثل هذا مدعاة للنظر والتفكر، ودليل كالشمس على بطلان هذا الخبر، ووضعه وانقطاعه عن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها.

وقد اختلف في نسبة البيتين، لكن مِن المؤكَّد -كما سيتضح- أنه لا يصح نسبتهما للسيدة فاطمة رضي الله عنها، وقد نسبهما السرقسطيُّ (ت 302 هـ) في "الدلائل" لبعض المحدَثين، وأثبت محمد شمس عقاب في "المراثي النبوية في أشعار الصحابة توثيق ودراسة" أن الأبيات للعتبي (ت 228 هـ) في رثاء ولده كما في عدد من المصادر الأدبية.

والغالب: أنّ البيتين منسوبان إلى الشيعي أبي منصور الباخرزي؛ قال محمد بن عمران المرزباني (ت 384 هـ) في "معجم الشعراء": (أبو منصور الباخرزي، اسمه ‌محمد ‌بن ‌إبراهيم ‌من ‌أهل ‌خراسان. نزل بغداد وكان يتشيع وعمي في آخر عمره، وكان يهاجي مثقالًا الواسطي. والباخرزي هو القائل: صُبَّتْ عَليَّ مَصائبُ لو أنَّها … صُبَّتْ على الأيامِ صِرنَ لَيالِيا)، وانظر أيضًا: القفطي (ت 646 هـ) في "المحمدون من الشعراء"، والصفدي في "الوافي بالوفيات"، وانظر: "دمية القصر" لأبي الحسن الباخرزي.

وقد أنكر: محمد الحافظ الروسي في بحثه: "شعر الصحابة من خلال كتاب مِنح المدح لابن سيد الناس، دراسةً في النسبة والتوثيق" نسبة الأبيات إلى السيدة فاطمة رضي الله عنه، وأن سيدتنا فاطمة لم تقل شعرًا قط، وذكر أن الأبيات لا تستقيم إلا لمَن عُرِف بكثرة مزاولة الشعر، ويكفي أن نعرفَ أن ابن رشيق في "العمدة" فضَّل هذه الأبيات على شعر الكميت في رثاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعلها أنموذجًا يحتذيه الشعراء، و‌‌لأهل التشيع ولَعٌ بوضع الشعر على لسان آل البيت، ومما وضعوه على لسان فاطمة رضي الله عنها حينًا، وعلى لسان علي رضي الله عنه حينًا آخر؛ هذان البيتان اللذان ذكرهما ابن سيد الناس.

وقد شكك في هذه الرواية الآمدي في "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري"، وهو أحد العلماء بالشعر فقال: (وتمثَّلت فاطمة رضي الله عنها عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يُروَى عنها ولا أعرف صحته)؛ لأن مثل هذا البيت لا يكون لمَن لم يُعرف عنه اشتغال بشعر ولا طول مزاولة له، وإنما يوفَّق القائل لمثل هذا بعد طول المكابدة، وكثرة المزاولة، والصبر على المراجعة، وإدمان القول) (انتهى).

ثانيًا: نَقْلُ ابن الجوزي وابن عساكر وغيرهما لهذا الخبر؛ لا يعني صحة الخبر، بل إنهم ذكروا الخبر بإسناده، ومن أسند فقد أحالك، أي: هو نقل لك الخبر بإسناده لتبحث أنت، وتقف على صحة الخبر مِن عدمه، وتلك هي طريقة علمائنا المتقدمين، وهذا غرضهم من الإسناد، وعليه فلا يمكن القول بأن ابن الجوزي نقل هذا الخبر مصححًا له، بل مما ينبغي التأكيد عليه: أن ذِكْر ابن الجوزي وغيره للأثر بهذا الإسناد المنقطع مع ما فيه من مجاهيل هو دليل أبلج على تضعيفه له، وبيان ما فيه من وضع ونكارة، وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله مع هذا الأثر في بابه؛ غرائب عن مجاهيل بأسانيد فيها انقطاع ظاهر، وما أحسبه ذكرها استشهادًا، بل جمعًا لتلك المادة، ومِن ثَمَّ النظر والدراسة ممَّن بعده.

ثالثًا: هذا حديث منكر موضوع، إسناده لا يثبت، ومتنه منكر، لا يُتَصوّر من سيدتنا فاطمة المؤمنة الصالحة، سيدة نساء أهل الجنة، أن تفعل هذا العمل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن مجرد الوقوف على حال رجال الإسناد كافٍ في ردِّ هذا الأثر عن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها؛ لما فيه من انقطاع ومجاهيل:

(أ) فمحمد بن موسى، ليس من شيوخ ابن شاهين، بل من شيوخ شيوخه، وفي هذا انقطاع في السند؛ بالإضافة إلى التدليس إذ لم يبيِّن؛ لأن محمد بن موسى هذا يحتمل رجلين من شيوخ شيوخ ابن شاهين، أحدهما: ضعيف، كما قال عنه ابن حجر في "التقريب".

(ب) طاهر بن يحيى مجهول الحال، كان أخباريًّا نسَّابة، وينظر تفصيل ذلك عند إبراهيم بن عبد الله المديهش في موسوعته: "فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم: سيرتها، فضائلها، مسندها رضي الله عنها".

(ج) وهو منقطع، جده الحسين بن جعفر بن الحسين، لم يدرك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وفيه انقطاع آخر: محمد بن علي بن الحسين لم يدرك جده، بل والده علي بن الحسين لم يدركه أيضًا.

(د) نص عددٌ من العلماء على عدم صحة هذا الأثر عن سيدتنا فاطمة، ومنهم: الذهبي في "السير"، قال: (‌وَمِمَّا ‌يُنْسَبُ ‌إِلَى ‌فَاطِمَةَ وَلَا يَصِحُّ ... ثم ذكر البيتين)، وقال أبو القاسم الآمدي في "الموازنة": ( ... ولا أعلمُ صحَّتَه)، وانظر: (أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة" لأحمد النجمي، و"قصص لا تثبت" لسليمان الخراشي، و"أحاديث منتشرة لم تثبت" لأحمد السلمي).

الصفحة التالية