رفع الحجاب عن تبرك فاطمة بالتراب
أشرف الشريف • قضايا معاصرة
وقال ابن سيد الناس في "عيون الأثر" وكتابه الآخر: "مِنَح المدَح": (وَمِمَّا يُنْسَبُ لِعَلِيٍّ أَوْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا...)، وكذا قال الكلاعي في "الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء"، فلم يجزِما بنسبته لفاطمة، وقد بَيَّنتُ سابقًا: أن البيتين منسوبان بشهادة المراجع المتقدمة والدلائل الواضحة لشيعي مجهول.
رابعًا: المفارقة العجيبة ممَّن يستدلون بهذا الأثر على جواز التبرك والتمسح بالقبور وقصدها؛ فهم لا يَقْبَلُون بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد، ثم ها هم لشهوة الأهواء وفساد المنهجية يستدلون في قضية عقدية بخبر مدارُه على واحدٍ في كلِّ طبقات السند، وبعض هؤلاء الرواة من المجاهيل؛ بالإضافة إلى الانقطاع الظاهر في هذا السند.
خامسًا: حتى وإن صحَّ هذا الأثر عن فاطمة رضي الله عنها؛ فإن العلماء لم يفهموا أنه تبرك؛ لعدم اشتماله على ما يوهم ذلك، بل عدُّوا هذا من الرثاء والحزن، قال ابن ناصر الدين (ت ???هـ) في كتابه: "سلوة الكئيب بوفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم" بعد ذكره لهذا الخبر: "وَرُبمَا يفهم من هَذَا: أَن فَاطِمَة رضي الله عنها أول مَن رثى النَّبِي صلى الله عليه وسلم".
وقد استدل به بعضُ فقهاء الشافعية والحنابلة على إباحة الندبة اليسيرة، وأنها ليست من النياحة، ومن ذلك: "المغني" لابن قدامة، و"النجم الوهاج" للدميري، و"مغني المحتاج" للشربيني، و"نهاية المحتاج" للرملي، و"مطالب أولي النهى" للرحيباني الحنبلي، "حاشية قليبوبي"، "حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب"، كما أن أكثرهم ذكر الرواية بدون ذكر أن فاطمة رضي الله عنها أَخَذَتْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى عَيْنَيْهَا.
وحتى يتم وضع الاستدلال في موضعه يقول أبو الحسن السمهودي (ت ???هـ) في (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى): "ومنها -أي: آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم-: اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم، قال ابن جماعة: قال بعض العلماء: إنه من البدع، ويظن مَن لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر، لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعه، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم، قال: وليس عجبي ممَّن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف، واستشهد لذلك بالشعر" (انتهى) .
كما ذكر ابن النجار (ت ???) في (الدرة الثمينة في أخبار المدينة) بعد ذكره لهذا الأثر عن فاطمة رضي الله عنها: "حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: "لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائِهِمْ مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خَشِيَ أو خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا"، وفي هذا ملمح مهم؛ لئلا يتم تحريف الاستدلالات، ونسبة أفهام مغلوطة إلى العلماء تحت زعم ذكرهم لهذه الآثار.
وعليه فلا يجوز تعظيم قبور الصالحين وتقبيلها والمسح عليها التماسًا للبركات منها، ويَكفي للدَّلالةِ على هذا: أنَّه لم يَرِدْ فيه حديثٌ واحدٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن تعظيم القبور، كما لم يثبُت عن صَحابيٍّ واحدٍ أنه كان يتبَرَّكُ بالتمسُّح بقبرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو تَقبيلِه رغمَ حُبِّهم الشديدِ له، وتبرُّكِهم به في حَياتِه بجَسَدِه، وما يخرُجُ منه مِن عَرَقٍ وغيرِه وبآثارِه بعدَ مماتِه، وهذا كلُّه ثابتٌ في أحاديثَ وآثارٍ صحيحةٍ، ولو كان التبرُّك بالتَّمسُّحِ بالقَبرِ من جِنسِ هذا، لفَعلوه بعد مماتِه، بل ثبَت عن ابنِ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما بإسنادٍ كالشمس عند محمد بن عاصم، أنه: (كان يَكرَهُ مَسَّ قَبرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم)، كما ثَبَت عن عمر رضي الله عنه أنه قطع شجرة الرضوان ليمنع تبرك الناس وتمسحهم بها صيانة لجناب التوحيد، كما أخفي لهذا السبب قبر نبي الله دانيال، وعلى هذا تتابع أئمة المذاهب، حتى شددوا في منع مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف بمن دونه؟!
قال الشيخ خليل المالكيُّ (ت: 776هـ) كما في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب: (روى ابنُ وهبٍ في المختصَرِ قال: سُئِلَ مالكٌ: من أين يقِفُ من أراد التَّسليمَ؟ فقال: مِن عندِ الزاويةِ التي تلي القِبلةَ مِمَّا يلي المِنبرَ، ويَستقبِلُ القبلةَ، ولا أحِبُّ أن يمسَّ القبرَ بيَدِه).
قال الإمامُ النوويُّ في المجموع: (قالوا: ويُكرَهُ مَسحُه باليدِ وتَقبيلُه، بل الأدبُ أن يُبعَدَ منه كما يُبعَدُ منه لو حَضَره في حياتِه صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصوابُ الذي قاله العلماءُ وأطبقوا عليه).
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة في مجموع الفتاوى: (لا يُسَنُّ باتِّفاقِ الأئمَّة: أن يُقَبِّلَ الرَّجُلُ أو يستَلِمَ رُكنَيِ البيت اللَّذين يَليانِ الحِجْرَ ولا جُدرانَ البيتِ، ولا مَقامَ إبراهيم، ولا صخرةَ بيت المَقدِس، ولا قَبْرَ أحدٍ مِن الأنبياء والصالحين).
وقال الشريفُ السَّمْهوديُّ الشافعيُّ (ت: 911هـ) في (وفاء الوفاء): (قال الأَقشَهْريُّ: قال الزَّعفرانيُّ في كتابه: وضعُ اليد على القَبرِ ومَسُّه وتقبيلُه: مِن البِدَعِ التي تُنكَرُ شرعًا، ورُوِيَ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ رضِي اللهُ عنه رأَى رجُلًا وضَع يدَه على قبرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فنهاه، وقال: ما كنَّا نَعرِف هذا على عَهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنكره مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ أشدَّ الإنكارِ".
وقال مرعي الحنبليُّ (ت: 1033هـ) في (شفاء الصدور): "أمَّا تَقبيلُ القبورِ والتمَسُّحُ بها؛ فهو بِدعةٌ باتِّفاق السَّلف؛ فيشَدَّدُ النكيرُ على مَن يفعل ذلك، ممَّن تَزيَّا بزيِّ أهل العِلم؛ خوفَ الافتِتان به، والاقتداءِ بفِعلِه".
