منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أخبر الله -تعالى- أن الغرضَ من صيام شهر رمضان، والقيام فيه، وعمل الصالحات بأنواعها هو تحقيق التقوى، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة: 183) ، وقد رتَّب الله -تعالى- على ذلك الثواب والأجر الجزيل.
ولا شك أن كثيرًا مِن المسلمين قد حصلوا في رمضان على كمٍّ كبيرٍ من الحسنات، وقَدْر وفير من الأجور باجتهادهم في الطاعات، ومنهم مَن خَرَج مغفورًا له ما تقدَّم من ذنبه؛ فمحيت عنهم سيئاتهم، وبقي لهم ما قدَّموا من الحسنات، وهذا فضل من الله -تعالى- كبير يؤتيه مَن يشاء، ولكن هؤلاء الذين أحسنوا في رمضان يتفاوتون بعده؛ فمنهم مَن يحافظ على ما حصَّل مِن التقوى والثواب، ومنهم مَن يفرِّط فيه، والمسلم الحق مَن حَافَظ على ما حقق في رمضان مِن التقوى والثواب، والمسلم المسيء مَن فرَّط في ذلك.
وينبغي على المسلم التقي حقًّا في رمضان أن يواصل تقواه وصلاحه بعد رمضان، فيتبنى منهجًا يقوم على الصبر على أداء الواجبات المفروضة، وترك المنهيات الممنوعة، والاجتهاد في النوافل والمندوبات، فيبقى على ذلك ما استطاع حتى يبلغ رمضان القادم، وهو ليس بعيدًا عما كان عليه في رمضان السابق، وإن تفاوتت الهمة خلال ما بين الرمضانين؛ إذ لرمضان همة ليست في غيره.
ولو كان المسلم على أشد ما يكون عليه في رمضان طوال العام كله؛ لربما صافحته الملائكة، وسلَّمت عليه في الطرقات، ولكن ساعة وساعة، دون تفريط في واجبات، أو انتهاك لحرمات، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحنظلة بن الربيع الأُسَيِّدي -رضي الله عنه-، وهو أحد كُتَّاب النبي -صلى الله عيه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) ، والله -تعالى- يقول: ( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (العنكبوت: 5-7) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) (فصلت: 30-32) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأحقاف: 13-14) .
قال الشيخ ابن العثيمين -رحمه الله-: "وفي هذا دليل على أهمية الاستقامة على دين الله بأن يكون الإنسان ثابتًا، لا يزيد ولا ينقص، ولا يبدِّل ولا يغيِّر".
وهذا المنهاج الذي يجب أن يكون عليه المسلم الحق بين الرمضانين يدخل في عموم الكثير مِن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي حَثَّت على المواظبة الدائمة طوال سنين العمر، على العمل الصالح وإن قَلَّ؛ فالمداومة على العمل الصالح هي مفتاح الجنة؛ لذا لا يكاد أن تأتي آية في القرآن الكريم فيها ذكر الإيمان إلا ذُكِر مع الإيمان العمل الصالح؛ قال الله -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر: 99) ، واليقين: الموت، وفي ذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ) (رواه مسلم) ، فالأعمال بالخواتيم، والله -تعالى- يقول: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) (الحديد: 16) ، وجاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-: "وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ" (متفق عليه) ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: ( يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُونَنَّ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ) (متفق عليه) .
ويعين المسلم على التمسُّك بهذا المنهاج ما لاقاه مِن لِذَّة الطاعة في رمضان، وما استقر في نفسه فيه من إمكانية التقلب في الطاعات ليل نهار، مع قضاء أمور الدنيا ومصالحها، كما جمع بينهما في رمضان، ويحفِّزه على المداومة على الحفاظ على ما اكتسبه مِن: ثواب صيام رمضان، وقيامه، والعمل الصالح فيه، وعدم التفريط فيه استحضار ما ينتظره من الفرح بلقاء الله -تعالى-، وقد احتفظ في صحيفة حسناته بثواب صيامه أو أكثره، قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: ( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ) يعني بانتهاء يوم الصيام ( إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ) لما جُبِل عليه الإنسان من الفرح بالأكل والشرب عند الجوع والظمأ ( وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ) عندما يرى ثواب صومه عند لقاء ربه يوم القيامة، وهذه هي الفرحة الحقيقة التي ينبغي للمسلم أن يعيش لها وبها.
وقد وَرَد ذِكْر الفرح في آيات القرآن الكريم على ضربين:
