شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (2)

الشيخ علاء بكر • التزكية

الفرح المطلق: وهو الفرح الذي ينسي صاحبه فضل الله -تعالى- عليه، وقد ورد في القرآن في محل الذم، كما في قوله -تعالى- في قصة قارون: ( ‌إِذْ ‌قَالَ ‌لَهُ ‌قَوْمُهُ ‌لَا ‌تَفْرَحْ ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌الْفَرِحِينَ ) (القصص: 76) ، وكما في قوله -تعالى-: ( ‌إِنَّهُ ‌لَفَرِحٌ ‌فَخُورٌ ) (هود: 10) .

الفرح المقيد المذموم: وهو كسابقه مقرون بنسيان فضل الله -تعالى- على العبد، كما في قوله -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ‌فَإِذَا ‌هُمْ ‌مُبْلِسُونَ ) (الأنعام: 44) .

الفرح المقيد الممدوح: وهو الفرح المقيد بفضل الله -تعالى- على العبد ورحمته به، كما في قوله -تعالى-: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ ‌خَيْرٌ ‌مِمَّا ‌يَجْمَعُونَ ) (يونس: 58) ، وقوله -تعالى-: ( ‌فَرِحِينَ ‌بِمَا ‌آتَاهُمُ ‌اللَّهُ ‌مِنْ ‌فَضْلِهِ ) (آل عمران: 170) ، وقوله -تعالى-: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . ‌بِنَصْرِ ‌اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الروم: 4-5) ؛ فهي فرحة مأذون فيها مرخَّص بها.

ولا شك أن الفرحَ بالصيام فرح مشروع ممدوح، فهو برحمة من الله -تعالى- وفضله، وفرحة المؤمن بالطاعات في الدنيا أكبر من فرحته بغيرها، بل أكبر من فرحة غيره بما يفرح به مِن سلطان أو جاه أو مال، وأعظم درجات الفرحة: فرحة المؤمن بلقاء ربه -عز وجل- يوم القيامة، وهو عنه راضٍ؛ قال -تعالى-: ( ‌وَلَا ‌تَحْسَبَنَّ ‌الَّذِينَ ‌قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (آل عمران: 169-170) .

حال المسلم المسيء بعد رمضان:

أما مَن أحسن في رمضان وحصل فيه من الأجر والثواب ثم نكص على عقبيه بعد رمضان بتفريط في واجبات، أو اجتراء على محرمات؛ فهو يضيع على نفسه ما حصَّله من الأجر والثواب، فالسيئات بعد الحسنات تأكل الحسنات، كما تأكل الحسنات السيئات، ومَن كان هذا حاله فيلقَى الله -تعالى- يوم القيامة فلا يجد ثواب صيامه وقيامه الذي حصله في رمضان أحوج ما يكون محتاجًا إليه؛ فما أشد حسرته يومها!

وقد ضَرَب الله -تعالى- في القرآن الكريم مثلًا بليغًا لمَن كان هذا حاله: فمثله كمثل رجل أصابه الكبر، وله جنة من أشجار النخيل والأعناب المثمرة يأكل منها، هو والضعفاء من ذريته، بلا جهد أو مشقة، ثم أصاب هذه الجنة إعصارٌ فيه نار فأحرقها بما فيها من نخيل وأعناب، فحُرِم هذا العجوز وذريته الضعيفة من خير هذه الجنة أحوج ما يكون إليها؛ إذ لا قدرة له لكبره على زراعتها من جديد لكبر سنه، ولضعف ذريته، فلا مجال للعمل وتعويض ما ذهب؛ فما أشد حسرته!

وكذلك مَن كان معه مِن رمضان ثواب عظيم ينتظر أن يسعد به عند لقاء ربه يوم القيامة، ولكنه فرَّط فيه بالذنوب فأضاعه؛ فلا يجده في صحيفة حسناته أحوج ما يكون له عند لقاء ربه عز وجل، ولا مجال عندئذٍ للعمل الصالح لاستدراك ما فات، قال -تعالى-: ( ‌أَيَوَدُّ ‌أَحَدُكُمْ ‌أَنْ ‌تَكُونَ ‌لَهُ ‌جَنَّةٌ ‌مِنْ ‌نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (البقرة: 266) .

قال الزجاج: الإعصار في اللغة: الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود.

وقال السدي: الإعصار الريح والنار السموم.

وقال ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة. وقيل لها: إعصار؛ لأنها تلتف كالثوب إذا عصر؛ فإنه يصعد عمودًا ملتفًا. وذكر البخاري في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ضُرِبت مثلًا لعمل، وبيَّنه فقال: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله عز وجل له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق عمله. وفي رواية: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء. وروى ابن أبي مليكة أن عمر -رضي الله عنه- تلا هذه الآية، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عَمِل عمل السوء.

قال ابن عطية في تفسيره: "فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة، والربيع، وغيرهم".

وذكر القرآن الكريم مثلًا آخر في ذم إضاعة العمل هباءً، ونقض الإنسان لما قام به من خير، وذلك في قوله -تعالى-: ( ‌وَلَا ‌تَكُونُوا ‌كَالَّتِي ‌نَقَضَتْ ‌غَزْلَهَا ‌مِنْ ‌بَعْدِ ‌قُوَّةٍ ‌أَنْكَاثًا ) (النحل: 92) ، ففيه كما روي في سبب النزول أن هذا مثلًا ذكرته الآية لامرأة خرقاء كانت بمكة تغزل غزلها، فإذا أتمته وأحكمته؛ نقضته!

ويشهد لذلك حديث المفلس الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَتَدْرُونَ مَا ‌الْمُفْلِسُ؟ ) قَالُوا: ‌الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: ( إِنَّ ‌الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية