منهاج المسلم من رمضان إلى رمضان (2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
ولقد كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- الإكثار من قوله: ( يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ )، ولما سألته أم سلمة -رضي الله عنها- عن سبب ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ( يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وجاء في دعاء الراسخين في العِلْم: ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (آل عمران: 8) . والزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس وزاغت الأبصار. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ مِن الحور بعد الكور.
حال مَن أحسن بعد الإساءة:
وهذا حال قليل مِن الناس، ولكنه موجود؛ لذا فينبغي على المسلم ألا يقنط من رحمة الله -تعالى- أبدًا؛ فهذا حال مَن أدرك رمضان، لكنه أساء فيه، فلم يخرج منه بالأجر والثواب، بترك واجبات وانتهاك محرمات في هذا الشهر الفضيل، فخرج منه بالخيبة والخسران، ثم يتغمده الله -تعالى- برحمته بعد ذلك، ويثوب إلى رشده، ويستشعر خطر ما قدَّم، وجسامة ما اقترف؛ فتجده يتوب توبة نصوحًا، ويستغفر الله وينيب، ويعود إلى صراط الله المستقيم؛ فتراه يقلع عن فساده، ويقضي ما فاته، ويسارع إلى الخيرات.
والتائبون في هذه الأمة بفضل الله -تعالى- كثير، والتائب مِن الذنب كمَن لا ذنب له، ونفحات مواسم الطاعات والعبادات على مدار العام كثيرة؛ يدرك مَن حرص عليها فيها إن شاء ما سبقه فيه غيره؛ قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (النساء: 110) ، ويقول -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران: 135) ، وفي حديث أنس -رضي الله عنه- المرفوع: ( قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وقد قَتَل رجلٌ مائة نفس ثم تاب توبة صادقة، فدخل بفضل الله -تعالى- ورحمته الجنة، وقال إبراهيم -عليه السلام- لضيفه من الملائكة المكرمين: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (الحجر: 56) ، وقال يعقوب -عليه السلام- لبنيه: ( وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف: 87) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وإنما الأعمال بالخواتيم.
ويبقى بعد ذلك مِن الناس مَن كان حاله الإساءة في رمضان وبعده؛ فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه؛ فقد ظلم نفسه أشد الظلم، وحَرَم نفسه مِن التَّعَرُّض لرحمة الله -تعالى- وفضله ومغفرته.
نسأل الله -تعالى- العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
