شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (4) محنة الراهب والجليس

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق مِن القصة، مع الإشارة إلى طريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد الرابع: لقاء الغلام بجليس الملك:

- قام الغلام -رضي الله عنه- يدعو الى الله تعالى وتوحيده من خلال مداواة الناس بالدعاء المستجاب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَكانَ الغُلَامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كانَ قدْ عَمِيَ، فأتَاهُ بهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقالَ: ما هَاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فإنْ أَنْتَ آمَنْتَ باللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ باللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ ... ) .

وقفات مع المشهد الرابع:

الأولى: الله هو الشافي:

- كان الغلام -رضي الله عنه- يرسِّخ عقيدة التوحيد في نفوس الناس من خلال ربط القلوب بالله، وأنه الرب الخالق القادر على كل شيء، المستحق للعبادة وحده؛ ولذلك كانت أول كلمات الغلام لمَن دعاه: "إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إنَّما يَشْفِي اللَّهُ": قال تعالى: ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (الشعراء: 75-82) ، وقال تعالى: ( ‌وَإِنْ ‌يَمْسَسْكَ ‌اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) (الأنعام: 17 ) ، وفي رقية النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا ) (متفق عليه) .

الثانية: الداعية الصادق يوظِّف الدنيا للدين:

- الداعية الصادق في دعوته لا يريد علوًّا في الأرض، ولا يستغل الدين لنيل الدنيا، بل يفعل العكس (الشاهد من القصة: هو عدم التفات الغلام للأموال والهدايا، وإنما انشغل بالدعوة والهداية): قال تعالى: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص: 83) .

(1) الداعية الناصح يستغل حاجة الناس في دعوتهم إلى الله (يوسف -عليه السلام- يعرض على رفقاء السجن دعوة التوحيد بين يدي جوابهم على حاجتهم الدنيوية): ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ ‌الْوَاحِدُ ‌الْقَهَّارُ ) (يوسف: 39) ، (هكذا الداعية الصادق في كل مجال: الطبيب - المدرس - الحرفي - السائق - ... ).

المشهد الخامس: الملك والجليس:

- كانت دعوة الغلام إلى هذه الساعة تسير في عافية وانتشار في الناس، ولكن لا بد أن تجري سنة الله في ابتلاء الحق بالباطل، ومحاولة الباطل منع الحق والقضاء عليه؛ فدارت الأحداث بذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فأتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إلَيْهِ كما كانَ يَجْلِسُ، فَقالَ له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: وَلَكَ رَبٌّ غيرِي؟ قالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الغُلَامِ، فَجِيءَ بالغُلَامِ، فَقالَ له المَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بالرَّاهِبِ، فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى، فَدَعَا بالمِئْشَارِ، فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بجَلِيسِ المَلِكِ فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ... ).

وقفات مع المشهد الخامس:

الأولى: أثر الإيمان على القلوب:

- جليس الملك يتحوَّل بعد الإيمان من مُعِين على الباطل، إلى داعٍ إلى الحق، دون مبالاة بما سيترتَّب عليه الأمر، حيث وجد حلاوة الإيمان (شاهد القصة: دعوته الملك إلي التوحيد، ثم تحمله وصبره في سبيل الله)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ ) (متفق عليه) .

صور مشرقة في التحول بعد الإيمان:

1- سحرة فرعون بعد إيمانهم في ردِّهم على تهديد الفرعون: ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَ?ذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) (طه: 72) .

2- أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم لله -عز وجل-: عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: هَاجَرْنَا مع رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أجْرُنَا علَى اللَّهِ، ومِنَّا مَن مَضَى -أوْ ذَهَبَ- لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شيئًا، كانَ منهمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ؛ قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، لَمْ يَتْرُكْ إلَّا نَمِرَةً، كُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وإذَا غُطِّيَ بهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقالَ لَنَا النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( غَطُّوا بهَا رَأْسَهُ، واجْعَلُوا علَى رِجْلِهِ الإذْخِرَ -أوْ قالَ: ألْقُوا علَى رِجْلِهِ مِنَ الإذْخِرِ- ... ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية