شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6) الغلام أحيا الله به الأمة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق من القصة، مع التذكير بطريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد السابع:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَقالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به، قالَ: وَما هُوَ؟ قالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمع النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ علَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِن كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبْدِ القَوْسِ، ثُمَّ قالَ: بسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقالَ النَّاسُ: آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ ).

وقفات مع المشهد السابع:

الأولى: أهمية فقه الدعوة في حياة الداعي:

- فقه الغلام في إظهار عجز الملك الذي يدَّعي الربوبية، حيث يتلقَّى هو الأمر من الغلام: ( إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به! ).

- فقه الغلام في الوصول إلى غرضه في نشر عقيدة التوحيد في الأمة: ( تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ )، قال تعالى: ( قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) (طه: 59) .

- فقه الغلام في إظهار طغيان وظلم الملك، وهو مِن أسباب تعاطف الناس مع دعوته، فالناس يكرهون الظلم ويميلون إلى المظلوم عادة؛ لا سيما وأنهم يعلمون عن المظلوم حبه للخير والإحسان إلى الناس: ( وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ ).

- فقه الغلام في إظهار العجز التام للملك بأمره أن يقول: ( باسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ )، حيث أظهر الافتقار القهري والعبودية الاضطرارية لرب الغلام، ولقد كان لذلك الأثر العظيم في إيمان الناس، فمَن سبق علمه بدعوة الغلام ازداد يقينًا في قدرة الله ووحدانيته، ومَن لم يكن يعلم؛ فليسمع وليرى البرهان على قدرة الله ووحدانيته.

- وهنا تجلَّت القضية عند الجماهير مِن أن الصراع والاختلاف إنما هو التدافع بين الحق والباطل: قال تعالى: ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (البروج: 8) .

- كان المشهد النهائي هو انتصار العقيدة، وإحياء الأمة: ( فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ ).

الثانية: تساؤل؟!

- هل فِعْل الغلام يعد إهلاكًا للنفس، وقد قال الله -تعالى-: ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (البقرة: 195) ؟!

- الجواب: لا، من وجهين:

- الأول: لقد كان فعلُ الغلام سببًا في هداية أمة بأكملها، وهي مصلحة عامة ونفعها أعظم من المنفعة الخاصة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (رواه البخاري) .

- الثاني: لقد نال الغلام برحيله عن الدنيا مكانة الشهداء في أعلى المراتب: قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (آل عمران: 169-170) ، وقال -تعالى- عن صاحب يس: ( إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس: 25-27) .

المشهد الثامن:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عن دِينِهِ فأحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قيلَ له: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمعهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقالَ لَهَا الغُلَامُ: يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ ).

وقفات مع المشهد الثامن:

الأولى: الله يثبِّت أولياءَه عند المحن:

- لقد أنطق اللهُ الرضيعَ كرامة لأمه حتى تثبت: ( يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ )، قال -تعالى-: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) (إبراهيم: 27) .

- ونظائر ذلك كثيرة في تثبيت الله لأوليائه المتقين بخوارق العادات: ففي يوم بدر: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) (الأنفال: 12) ، وقال -تعالى- عن مريم على لسان الرضيع: ( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) (مريم: 24) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جريج العابد: ( ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقالَ: مَن أَبُوكَ يا غُلَامُ؟ قالَ: الرَّاعِي ) (متفق عليه) .

- استعن بالله وتوكل عليه عند المحن، والتجأ إليه، ستجده أمامك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفُك في الشدَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

الثانية: من فقه الرخصة والعزيمة:

الصفحة التالية