شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تقديم العقل على النقل عند الشيخ محمد عبده رحمه الله (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

(الأول: تدريس العقائد على أساس البراهين القطعية، وقد تأثَّر بهذه النزعة منذ أن اتصل بجمال الدين الأفغاني.

الثاني: تجديد ما بلي مِن العلوم العقلية، وغيرها من العلوم التي كان ينفر رجال الأزهر من الاشتغال بها أو البحث فيها) (راجع: "لمحات من حياة الإمام محمد عبده" تأليف: عبد المنعم حمادة - ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة - العدد واحد وثلاثون - يوليو 1963م، ص 50 بتصرفٍ).

وتشير إلى ذلك مؤلفاته التي طبعت له، ومنها:

- (رسالة الواردات) - القاهرة ط. 1874م.

- حاشيته على شرح الدواني لكتاب: (العقائد العضدية) للإيجي القاهرة - ط. أولى بالمطبعة الخيرية 1876م.

- (رسالة التوحيد) ط. أولى المطبعة الأميرية ببولاق 1897م.

- شرح كتاب (البصائر النصيرية) في المنطق لعمر بن سهلان الساوي ط. أولى المطبعة الأميرية بولاق 1898م. (راجع في ذلك: "رائد الفكر المصري" د. عثمان أمين، ص 269 - 270) .

نموذج لمنهج محمد عبده في الاعتقاد:

ونذكر هنا نصًّا صريحًا واضحًا للشيخ محمد عبده يبيِّن مذهبه في قضية تقديم العقل على النقل، ونتبعه بالرد على بعض ما أورده فيه من الشُّبَه.

قال الشيخ محمد عبده في حاشيته على العقائد العضدية، والذي نقله عنه الزرقاني في كتابه: (مناهل العرفان في علوم القرآن): (فإن قلتَ: إن كلامَ الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم مؤلَّف من الألفاظ العربية ومدلولاتها معلومة لدى أهل اللغة؛ فيجب الأخذ بمدلول اللفظ كائنًا ما كان. قلتُ: حينئذٍ لا يكون ناجيًا إلا طائفة المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك الاستدلال رأسًا، مع أنه لا يخفى ما في آراء هذ الطائفة من الضلال والإضلال، مع سلوكهم طريقًا ليس يفيد اليقين بوجهٍ، فإن للتخاطبات مناسبات ترد بمطابقاتها، فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي، وتأويل ما يفيد بظاهره نقصًا إلى ما يفيد الكمال، وإذا صَحَّ التأويل للبرهان في شيء صح في بقية الأشياء، حيث لا فرق بين برهان وبرهان، ولا لفظ ولفظ.

وقال في قوله تعالى: "ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات": إن الوحي من الله للنبي صلى الله عليه وسلم تنزيلًا ونزالًا ونزولًا؛ لبيان علو مرتبة الربوبية، وليت شعري إذا لم نؤوله بمرتبة الربوبية، فما نريد منه؟ وهل بقي بعد ذلك شيء إلا العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيُّز؟

والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى، وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى، وهو واضح؛ لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا، فإن سمعت منهم سوى ذلك؛ فهو قول متناقض، وكلامهم لا معنى له) (نقلًا من كتاب: (نقض عقائد الأشاعرة في كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن)، تأليف أ. د. توفيق علوان ط. دار بلنسية - الرياض ط. أولى 1422م، ص) .

الرد على كلام محمد عبده فيما ذهب إليه من تقديم العقل على النقل:

- قول الشيخ محمد عبده: (حينئذٍ لا يكون ناجيًا إلا الطائفة المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص، وترك طريق الاستدلال رأسًا، مع أنه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الضلال).

فيقال: لا توجد طائفة من المبتدعة تُسَمَّى طائفة الظاهرية، أما المجسمة المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، فيجعلون للخالق أعضاءً وأطرافًا وهيئة تشبه المخلوقين؛ فهم على ضلالة، ولكن ليس سبب ضلالهم الأخذ بظاهر النصوص على ما يعرفه العرب في كلامهم، ولكن لمخالفتهم ما جاءت به النصوص من أن الله تعالى ليس كمثله شيء، كما في قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، فأثبت الله تعالى في الآية لنفسه أنه عز وجل سميع بصير، مع نفيه كونه يشبه المخلوقين في سمعهم وبصرهم.

فلا منافاة بين إثبات الصفات على الوجه اللائق بجلال الله وكماله كما في ظاهر النص، وبين نفي أي مشابهة في ذلك بين الله تعالى وخلقه، وهذا واضح بيِّن غاية البيان في الجمع بين نفي مشابهة المخلوقين، وبين إثبات الصفات كما جاءت في النصوص، وهذا هو مذهب السَّلَف.

وشتان بين مذهب السلف الذي يجمع بين النفي والإثبات، وبين المشبهة والمجسمة الذين يثبتون الصفات ولا ينفون المشابهة، فيجمعون بين الإثبات والتشبيه، (وإن تشبيه السلف بهم؛ لأنهم يثبتون النص الوارد في الكتاب والسنة في صفات الله تعالى على حقيقتها كما جاءت، هو مغالطة وتعنت ومباهتة؛ ذلك أن السلف مع إقرارهم بما أقر الله تعالى حقيقة، نفوا دون خفاء التشبيه عنه كما نفاه سبحانه، ونفوا التمثيل والتكييف. وشتان بين هذا المذهب الراشد الذي كان عليه الصحابة الكرام ومَن تبعهم بإحسانٍ، وبين مذاهب المشبهة المجسمة الذين فاهوا في حق الله تعالى بالقول العظيم، ورتعوا في سكرات ضلالهم في الرتع الوخيم) (راجع (نقض عقائد الأشاعرة في كتاب: "مناهل العرفان في علوم القرآن"، ص 124 بتصرفٍ) .

- قول الشيخ محمد عبده: (فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي، وتأويل ما يفيد بظاهره نقصًا إلى ما يفيد الكمال).

فيقال: زَعْمُ أن السبيل الوحيد والحق الأوحد هو التأويل؛ فهذا باطل، فالنبي صلى الله عليه لم يقل بالتأويل، (حيث لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أي استدلال عقلي على آيات الصفات، ولو ورد ذلك؛ لعلم وذاع وشاع؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره، فلما لم يعلم تبيَّن أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فكان إيجابه لطريق الاستدلال العقلي في مسائل الصفات اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الفهم أو الجهل بالطريق الصحيح للفهم عن طريق الاستدلال العقلي، وهو شنيع.

ومثله اتهامه للصحابة بأجمعهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، حيث كانوا هم العرب الفصحاء، ومع تلاوتهم لآيات الصفات ليل نهار، فلم يُعلم عنهم السؤال عما ينبغي أن يُنزَّه الله به عن ظواهر الكتاب والسنة، فلما لم يفعلوا عُلِم أنهم فهموا النص على ظاهره، وعلى ما تقتضيه لغتهم، وعلموا أنه على ما قال الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية