شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تقديم العقل على النقل عند الشيخ محمد عبده رحمه الله (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيُعدُّ الشيخ محمد عبده رحمه الله من كبار رجال الأزهر في العصر الحديث، وقد عاش في مرحلة عصيبة من تاريخ مصر، شهدت ثورة عرابي والاحتلال البريطاني لمصر.

تأثر محمد عبده كثيرًا في شبابه بآراء وأفكار شيخه جمال الدين الأفغاني، وساهم في الثورة العرابية، فتعرَّض للنفي، وعاش سنوات النفي بين بيروت وباريس، ثم عاد لمصر وقد استقر على مخالفة منهج شيخه الأفغاني، عازمًا على الإصلاح والتغيير من خلال التعليم، وخاض معارك فكرية عديدة، وأسس من خلال أفكاره وآرائه مدرسة في الإصلاح، تأثر بها كثيرون، وما زالت آثارها ممتدة إلى اليوم.

وُلِد الشيخ في قرية محلة نصر، وهي قرية صغيرة بمديرية التحرير بين دمنهور ومركز شبراخيت، وولد على الأرجح عام 1266هـ، الموافق عام 1849م، مِن أبوين مصريين، والتحق بالجامع الأزهر عام 1866م، وتعرف على الأفغاني بفكره وتعاليمه الثورية، وجذبته قوة شخصيته؛ فلازمه، وتأثر به كثيرًا.

حصل على شهادة العالمية من الأزهر عام 1877م، وعمل بالتدريس؛ فألقى دروسًا في المنطق والكلام والأخلاق، وعمل أستاذًا للتاريخ في مدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم حاليًا)، وأستاذًا للأدب في مدرسة الألسن، إلى جانب مواصلته لدروسه في الأزهر، كما اتجه إلى النشاط الصحفي من خلال العمل في جريدة (الوقائع المصرية)، التي كانت أشبه بسجل للأوامر الرسمية للحكومية، وقد تولَّى بعد فترة رئاسة تحريرها.

وقد أيَّد العرابيين في ثورتهم، وبعد سقوط عرابي اتُّهِم محمد عبده بالتآمر مع رجال الثورة، وحُكِم عليه بالسجن لمدة ثلاثة شهور ثم بالنفي ثلاث سنوات؛ فاختار النفي إلى سوريا، ورحل إليها عام 1883م، لكنه سرعان ما انتقل في مستهل عام 1884م إلى باريس؛ تلبية لدعوة شيخه الأفغاني، حيث أسسا معًا جمعية وصحيفة أسبوعية باسم: (العروة الوثقى)، فكانت أول صحيفة عربية في أوروبا.

عاد محمد عبده إلى بيروت عام 1885م، وعهد إليه التدريس في المدرسة السلطانية؛ فألقى دروسًا في علم الكلام، وعاد محمد عبده إلى مصر عام 1888م بعد العفو عنه، وعيِّن قاضيًا بالمحاكم الشرعية ثم مستشارًا في محكمة الاستئناف، وعين في 1899م مفتيًا للديار المصرية، فكانت له بعض الفتاوى التي أثارت جدلًا كثيرًا، ثم عُيِّن عضوًا في مجلس شورى القوانين.

ساهم في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية لنشر الثقافة، ومد يد العون الأدبي والمادي بين الطبقات الفقيرة والمحرومين، وجعلها وسيلته لتحقيق إصلاح اجتماعي وأخلاقي، كما أسس جمعية (إحياء الكتب العربية القديمة) لنشر روائع المؤلفات العربية القديمة.

ودفاعًا عن الإسلام: كان رده المشهور على (هانوتو) وزير الخارجية الفرنسية، ورده من خلال مقالات له في (المنار) على (فرح أنطون) محرر مجلة الجامعة، وقد جمعت هذه المقالات في كتاب بعنوان: (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية)، وقد تُوفِّي رحمه الله في 11 يوليو 1905م (1323 هـ)، وهو في أوج نشاطه.

اهتمام محمد عبده بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام:

منذ تلقي محمد عبده العِلْم وتأثره بأستاذه جمال الدين الأفغاني، انصرف إلى دراسة الفلسفة العقلية، وعلم الكلام، وقد اعتنى حينئذٍ بابن سينا على وجه الخصوص، وتوجد نسخة من كتاب (الإشارات) لابن سينا منسوخة بيد محمد عبده نفسه، وعليها حواشٍ مقتبسة من مصادر فلسفية مختلفة، (وفي تلك المرحلة أيضًا درس محمد عبده الفلسفة الصوفية الإسلامية، ومصنفه الأول: (رسالة الواردات) بداية لبحوثه الميتافيزيقية والصوفية، أما حاشيته على شرح الدواني لكتاب: ( العقائد العضدية) للإيجي، فكتاب يدل على المدى البعيد لوقوف محمد عبده على جملة النظرات الفلسفية الإسلامية التقليدية) (راجع في ذلك: "رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده" د. عثمان أمين أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة - ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2015م، ص 60 بتصرفٍ) ، وقد كانت حاشيته على شرح الدواني للعقائد العضدية وراء بدء هجوم المشتغلين بالعلم في عصره عليه مبكرا منذ عام 1876 م (راجع المصدر السابق، ص 86) .

وكانت دراسة الفلسفة الإسلامية في تلك الفترة قد تراجعت بدرجة كبيرة؛ فعندما التحق محمد عبده بالأزهر عام 1866 م (لم يكن يدرس من كتب المنطق والكلام في الأزهر إلا قليل مِن المصنفات التي أُلِّفت في القرنين: الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد، وإنما يرجع إحياء الدراسات المنطقية إلى جمال الدين الأفغاني؛ فقد كان أول مَن وجَّه الأنظار في الشرق الإسلامي إلى دراسة المنطق القديم، وكان كذلك أول مَن بذل الجهود لبعث الفلسفة الإسلامية بعثًا جديدًا، فكان لا بد لدراسة تلك الفلسفة من الرجوع إلى أمهات الكتب وعيون المؤلفات الأصيلة؛ فذلك في نظره أفضل من دراستها في الكتب العقيمة، كتب الشروح والحواشي والتقارير؛ ولذلك وجدنا الأفغاني في عام 1875 وقد أقبل بنفسه على تدريس ابن سينا في كتاب من أصعب كتب الفيلسوف، وأغزرها مادة، وهو: كتاب الإشارات) (المصدر السابق، ص 72 بتصرفٍ) .

(وفي سنة 1886م وكان محمد عبده منفيًّا في سوريا، عثر على كتاب (البصائر النصيرية) الذي نشره بمصر سنة 1889م. ويُلاحَظ أن التعليقات والإيضاحات التي نشرها مع النص تكشف عن معرفة عميقة بمذاهب المنطق عند الفلاسفة الإسلاميين، ومنطق ابن سينا بوجه خاص) (المصدر السابق، ص 74 بتصرفٍ) .

وإنما حرص محمد عبده على نشر كتاب البصائر النصيرية لعمر بن سهلان الساوي؛ لكي يوجِّه عناية الأزهريين إلى دراسة المنطق والاهتمام به (راجع المصدر السابق، ص 60، 74) .

تبني محمد عبده لمنهج تقديم العقل على النقل:

تأثَّر محمد عبده بمنهج تقديم العقل على النقل على طريقة المتكلمين والفلاسفة والمناطقة من الأشاعرة وغيرهم، والمراد بالعقل عندهم الأدلة المأخوذة مِن: علم الكلام، والفلسفة، والمنطق، والتي يراها المتكلمة والفلاسفة أنها أدلة عقلية قاطعة تقدَّم على الأدلة النقلية عندما يقع لهم وهم التعارض بين العقل والنقل؛ لذا وجَّه محمد عبده همه في التدريس والتأليف إلى أمرين:

الصفحة التالية