بيان من "الدعوة السلفية" حول تحريفات "سعد الدين الهلالي" بشأن فرضية الحجاب
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد اعتاد الدكتور "سعد الدين الهلالي" مصادمة الثوابت الشرعية، ومصادمة الأمور المُجْمَع عليها؛ لكي يُدَافِع عن أي معصيةٍ انتشرتْ بأنها صارت عرفًا واجب الاتباع مُقَدَّمًا على ما نَصَّت عليه نصوصُ الشرع!
وكان مِن هذا: ظهوره في حلقة برنامج الحكاية يوم الاثنين 27-6-2022م.
والذي أنكر فيه فرضية الحجاب على المرأة المسلمة! متذرعًا بعددٍ من الشبهات الساقطة التي كان مِن المفترض بحكم دراسته في جامعة الأزهر، أن يكون أدرى الناس بتهافتها!
ولكي يمرر هذه الدعوى المتهافتة، أضاف إليها أمرين آخرين في غاية الخطورة، والبُعد والانحراف عن شرع الله، وهما:
1- دعوى مرجعية العرف في تفسير نصوص الشرعية بحيث يفسِّرها كلُّ قومٍ بحسب أعرافهم!
2- دعوى أن الملزِم لكلِّ مسلمٍ؛ عالمًا كان أو جاهلًا، هو فهمه للنصوص، وليس لأحدٍ أن يلزمه بفهمه!
وهذا رد مختصر على تلك الضلالات:
1- دَلَّ الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة على وجوب ستر العورة، قال تعالى: "يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"، وعن بهزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذرُ؟ قال: "احفظْ عورتَك إلا مِن زوجتِك أو ما ملكت يمينُكَ".
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقٍ"، وهذه الجزئية سَلَّم بها "الهلالي"؛ إلا أنه زعمَ أن المرجعَ في حدِّ العورة ليس إلى الشرع، وإنما هو إلى العرف!
وبيان ذلك في الجزئية التالية:
2- اتَّفَق أهلُ العِلْم على أن حدَّ العورة مسألة شرعية وليست عرفية؛ وذلك لورود أدلة تبيِّنها وتوضِّحها، منها في حق النساء: الأمر بالخمار الذي هو غطاء الرأس، والإلزام مع هذا بستر فتحة الصدر، فقال تعالى: "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"، ومع الأمر بإدناء الجلباب -وهو الثوب الذي تلبسه المرأة ساترًا لبدنها أعلاه وأسفله- زاد الشرع في صفته أن يُدنَى مِن الرأس، فقال تعالى: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَ?لِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".
وبصفة عامة جاء نهي النساء عن إبداء زينتهن لغير محارمهن؛ إلا ما ظهر منها، فقال الله تعالى: "وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا".
3- الخلاف بين الصحابة والتابعين والأمة مِن بعدهم، انحصر في جعل الاستثناء هنا في أضيق الحدود عند البعض، كابن مسعود رضي الله عنه، ومِن ثَمَّ فالاستثناء يشمل إظهار عين واحدة، ومَن وَسَّعه جعله يشمل الوجه والكفين؛ فوقع الإجماع على أن كلَّ ما عدا هذين عورة.
ولذلك قال ابن رشد بعد ذكر الإجماع على ستر العورة مبينًا حدَّ العورة عند العلماء: "أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ حَدُّ الْعَوْرَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَدَنَهَا كُلَّهُ عَوْرَةٌ مَا خَلَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ قَدَمَهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ".
وقد ذكر "الهلالي" النقل الأول عن ابن رشد، وأغفل عن ذكر حدِّ عورة المرأة عند العلماء، والمذكور بعده بقليل.
قال ابن حزم في (مراتب الإجماع): "اتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة".
وقال ابن عبد البر في (الاستذكار): "الذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق: أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ، وتخمِّر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها".
4- التزام هذا الستر من المرأة يُسَمَّى حجابًا، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأم سلمة وميمونة لما دخل عليه عبد الله بن أم مكتوم بعد نزول آية الحجاب: "احْتَجِبَا مِنْهُ"، وآية الحجاب هي قوله تعالى: "وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ".
5- أما حديث أسماء الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا"؛ فليس هو الدليل الوحيد الذي استندت إليه الأمة في الإجماع الذي أشرنا إليه، بل هو معضد لمَن حمل الاستثناء في قوله تعالى: "إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا" على الوجه والكفين.
وهو حديث بالفعل فيه عِلل ضعَّفه بها بعضُ أهل العلم، وعامة مَن ضعَّفه مَال إلى أن عورة المرأة هي جميع بدنها، ولم يستثنوا الوجه والكفين، فالانتصار لضعف هذا الحديث لا يسقط فرضية الحجاب كما أوهم "الهلالي"، بل يؤدى إلى قوة القول الذي يقضي بوجوب ستر الوجه والكفين، ولا نظن أن الهلالي يريد هذا.
6- وكما هو واضح مِن السياق في أن وجود خلاف بين أهل العلم في تفاصيل قضيةٍ ما لا يبيح لأحدٍ أن يتلاعب بها، أو أن يهدر القَدْر الذي اتفق عليه أهل العلم، وهو ما نص عليه عامة العلماء المعنيين بحكاية مذاهب العلماء، فحصروا الخلاف السائغ بين العلماء في الوجه والكفين كما بيَّنَّا.
7- ومن هنا يُعلَم أن الإحالة على العُرْف في مسألة ستر العورة، وكأن الشرع أمرنا بستر العورة ثم لم يتعرض لبيان حدِّها مِن قريبٍ ولا بعيدٍ، هو نوع من الكذب على الشرع، وإخفاء لكثيرٍ مِن نصوصه الصريحة التي تناولت حدَّ العورة، وأن الرجوع للعرف بهذه الصورة ما هو إلى اتباع الهوى الذي قال الله عز وجل في شأنه: "فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".
