شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرد على شبهات "سعد الدين الهلالي" حول الحجاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وشاع في الأمة منذ ذلك الحين أن يسموا تلك الآية: "آية الحجاب"، وأن يقولوا فُرِض علينا الحجاب أو ضرب علينا الحجاب، كما قالت عائشة رضي الله عنها وهي تحكي واقعة الإفك: "فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ".

وهذه الآية وإن كان الخطاب فيها لأمهات المؤمنين؛ إلا أن التعليل فيها: " ذَلِكُمْ أَطْهَرُ ‌لِقُلُوبِكُمْ ‌وَقُلُوبِهِنَّ "، يجعل دخول عموم المؤمنات فيها دخولًا أولويًّا.

وهذه الدرجة مِن وجود حاجز بين الرجل والمرأة إذا كانت ثمة حاجة مباحة تستلزم الكلام بينهما هي أعلى الدرجات، وقد بيَّنت الآيات بعدها، وجاء في السنة صفات يجب أن توجد في ثياب المرأة المسلمة متى احتاجت إلى الخروج من بيتها.

وقد جاء استعمال الحجاب بصيغة الأمر: كما أخرج أبو داود والترمذي في "السنن" عن نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةَ، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُمِرْنَا بِالحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "احْتَجِبَا مِنْهُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟! أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟!"، قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

ومن هنا يعلم: أن كلمة الحجاب كلمة قرآنية، وأنها كانت مستعملة للدلالة على هذه الفريضة، وإن كانوا لم يسموا بها ملابس معينة؛ فسواء لبست المرأة جلبابًا أو درعًا، أو غير ذلك؛ فيراعى أن يكون حجابًا.

ثم غلب على المتأخرين وصف الثياب التي تحقق شروط الحجاب بأنها: "حجاب"، وهاهنا كان على "الهلالي" أن يراعي العرف؛ لكونه مجرد عرف لفظي يوافق الشرع ولا يخالفه، بدلًا من محاولة خداعه للمشاهِد أن الحجاب كاسم أو مسمَّى هو من اختراع التيارات الإسلامية!

والجلباب: هو الثوب الذي تلبسه النساء، وقد أمر الله المؤمنات بصفةٍ معينةٍ في جلباب المرأة المسلمة، فقال "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"، إذًا فالجلباب اسم عربي لنوعٍ مِن الثياب الذي ترتديه النساء، والذي أمر به الشرع المؤمنات أن يدنين الجلباب من فوق الرؤوس؛ فيستر الرأس والشعر، وسائر البدن، ومِن ثَمَّ يكون هذا الجلباب حجابًا أو قائمًا مقام الحجاب، أي: يكون قائمًا مقام حاجز بين الرجل والمرأة، المذكور أولًا.

والخمار: هو غطاء الرأس، وحيث إن الشرعَ لم يشترط نوعًا معينًا من الثياب على المرأة، وإنما اشترط أن تكون الثياب محققة لشرط ستر العورة، وحيث إن النساء في الجاهلية كن يبرزن القلادة وما حولها؛ فقد أمر الشرع النساء إذا لبسن درعًا وخمارًا (الدرع ثوب أشبه بما نسميه اليوم بالعباءة) فأمر في هذه الحالة بضرب الخمار على الصدر، فقال تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ".

وستر العورة: هي مِن الأمور المجمع على وجوبها على الرجال والنساء؛ في الصلاة وخارجها، وأن حدَّ هذه العورة ثابت بالشرع، والالتزام بهذا الواجب في حق المرأة يعني التزامها بالحجاب، وهو المصطلح الذي شاع أكثر في العصر الحديث دون أن يكون في شيوعه أي إضافة لما سبق أن أجمعت الأمة عليه؛ ولذلك كان مِن مخادعات "الهلالي" أن يأتي بنقلٍ عن "ابن رشد" في "بداية المجتهد"، ثم يكمله مِن عنده هو!

قال ابن رشد رحمه الله: "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقٍ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْعَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ".

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ستر العورة واجب إذا كان الإنسان بحضرة مَن يجب أن يستر عورته منهم، ويشرع أيضًا في الصلاة، وبالتالي فأي خلاف يُروَى في شأن ستر العورة في الصلاة لا يؤثِّر على الإجماع الذي عَبَّر عنه ابن رشد بقوله: "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقٍ".

وقد خدع "الهلالي" مستمعيه ومشاهديه: حينما زَعَم أن هذا هو موطن الإجماع، وهو ستر العورة، وأنه متروك لكي نحدِّد العورة عُرْفًا، مع أن ابن رشد الذي اختار أن ينقل كلامه بيَّن القَدْر المجمع عليه في بيان حدِّ العورة، فقال: "أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ حَدُّ الْعَوْرَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَدَنَهَا كُلَّهُ عَوْرَةٌ مَا خَلَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ قَدَمَهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ".

إذًا هناك قدر متفق عليه أنه داخل في العورة، وانحصر النزاع في الوجه والكفين، وهو الخلاف المشهور، وخلاف ضعيف بشأن ظاهر القَدَم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية