شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرد على شبهات "سعد الدين الهلالي" حول الحجاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ويُلَاحَظ: أن ابن رشد لم يعر القول الذي دندن حوله "الهلالي" كثيرًا مِن أن الذراع داخل ضمن ما يمكن كشفه، وهو القول المنسوب لأبي يوسف؛ وهذا إما لضعفه الشديد، وإما لكونه ليس متعلقًا ببيان حدِّ العورة، وإنما يتعلق برخصة انفرد بها أبو يوسف، ولم تُعتمَد في المذهب، ورغم ذلك هي في شأن امرأة تلي عمل يلزم منه كشف ذراعها، فقال حينئذٍ تكشفه، ويلزم مَن حضر مِن الرجال غض البصر.

ومما ينبغي التنبيه عليه: أن عامة العلماء على أن عورة المرأة في الصلاة أخف من عورة النظر؛ بمعنى أن القائلين بوجوب ستر الوجه والكفين يقولون بجواز كشفهما في الصلاة إن أمنت المرأة في الصلاة أن ينظر الأجانب إليها، وهذا الخلاف الفقهي لا ينبغي أن يستثمر في توهين الإجماع على وجوب ستر العورة، والإجماع على أن بدن المرأة كله عورة إلا ما استثني، وهو: عينها عند فريق، ووجهها وكفيها عند فريق.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن القول بدخول القَدَم فيما يمكن كشفه، قول ضعيف أهمله ابن عبد البر في حكاية مذاهب العلماء.

قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستذكار": "أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض واجب بالجملة على الآدميين"، ثم قال: "الذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق: أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ، وتخمِّر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها"، وكذلك ابن حزم في "مراتب الإجماع"، ولم يتعقبه ابن تيمية؛ وذلك لاحتمال أن الإمام أبا حنيفة أراد بذلك الرخصة عند وجود الحاجة إليها، ولمخالفة ذلك للأحاديث الصحيحة، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إليه يَوْمَ القِيَامَةِ"، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: "يُرْخِينَ شِبْرًا"، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِف أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: "فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ"، قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟، قَالَ: "إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا"، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

المحور الثالث: تضعيف حديث أسماء يقوي حجة مَن يقول بفرضية النقاب، ولا يسقط فرضية ستر الوجه والكفين:

تقدَّم ذكر الآيات التي بيَّنت حدود عورة المرأة: كقوله تعالى: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَ?لِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"، وقوله "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة".

وهذه الأدلة هي حجة العلماء الذين قالوا بوجوب ستر جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفين، ووجه الدلالة من هذه النصوص ظاهر لا يحتاج إلى مزيد شرحٍ؛ فما الذي دفع بعض العلماء إلى القول بأن ستر الوجه والكفين مستحب فقط وليس بواجب؟

والجواب: أن هذا يرجع إلى أمرين:

الأول: ما وَرَد عن بعض السلف من تفسير قوله تعالى: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" على أنه الوجه والكفين، فان السلف مختلفون في ذلك على قولين: الأول: أن هذا لا يستثني شيئًا مِن بدن المرأة، وأن ما ظهر منها هو ما ظهر رغم إرادتها، وهو الأقرب؛ لكون اللفظ الوارد في الآية: "ظهر"، وليس "أظهرن".

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "وقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب؛ إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم".

والقول الثاني: مَن قال: إن المراد هنا الوجه والكفين.

قال ابن كثير في تفسيره: "وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: وجهها وكفيها، والخاتم، وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، نحو ذلك".

الثاني: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: فقد أخرج أبو داود في "سننه" عن عائشةَ رضي اللهُ عنها: أن أسماءَ بنتَ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما دخلَتْ على رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم وعليها ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: "يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا"، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ.

وهو حديث ضعيف؛ لثلاثِ عللٍ:

- الإرسال؛ فخالد بن دريك لم يدرك عائشة رضى الله عنها

- جهالة حال خالد بن دريك نفسه.

- فيه سعيد بن بشير، وقد تكلَّموا فيه.

وقد ذهب بعض المحدِّثين إلى أنه له متابعات وشواهد ترفعه إلى درجة الصالح للاحتجاج؛ لا سيما إذا ضُمَّ إليه ما ورد عن ابن عباس في أن "ما ظهر منها" هو الوجه والكفين.

وذهب بعضهم إلى أن ضعفه غير منجبر، ومعظم مَن قال بضعف الحديث أعمل عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة"؛ لا سيما وأن تفسير "ما ظهر منها" بالوجه والكفين الوارد عن ابن عباس رضي الله عنهما مُعَارَض بنقلٍ آخر عنه أنه إحدى العينين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية