شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرد على شبهات "سعد الدين الهلالي" حول الحجاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومِن هنا يُعْلَم مدى مخادعة "الهلالي" للناس: حيث أراد أن يوهم أن الحديث الذي هو مستند القول بالحجاب ضعيف؛ ليتوصل بهذا إلى إنكار فرضية الحجاب، مع أن تضعيفه يعني القول بالحجاب الكامل المتضمن ستر الوجه والكفين الذي نسميه نحن "النقاب".

ومِن خداعه أيضًا: أنه في سبيل توهين الحديث أخذ يردد أنه لم يوجد في دواوين الإسلام إلا بعد سنة 200 هجرية، وهو يدرك تمامًا مرحلة الرواية الفردية بالإسناد للأحاديث، ثم مرحلة التدوين، وأن تدوين ما دوِّن في هذا التاريخ لا يقدح فيه طالما ورد بإسناده المتصل، وقد حاول "الهلالي" أن يخدع نفسه حينما استعمل تعبير أن الحديث "لم يدون" إلا في هذا التاريخ عندما قال له المذيع: "يعني لم يكن له وجود قبل هذا التاريخ؟"؛ فردَّ: "بأنه لم يدوَّن"، وكأنه بهذا يقنع نفسه أنه قال الحق، ولكنه أوصل إلى المذيع ومِن ثَمَّ إلى المشاهدين الباطل، وهو: التشكيك في هذا الحديث وغيره؛ بزعم تراخي التدوين!

المحور الرابع: شبهات متفرقة:

أولًا: استدلاله بحديث أخت عقبة بن عامر:

ولعل هذا من عجائب الدهر؛ لأن الحديث فيه دلالة ظاهرة على خلاف كلام "الهلالي"، ولكنه اعتمد على أنه يخاطب كل صاحب هوى يريد أن يسمع كلامًا منمقًا يطعن في فرضية الحجاب دون أن يتأمله، والحديث عَنْ عُقْبَةَ بن عامر رضي الله عنه: أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ".

قال الإمام الطحاوي في "شرح مشكل الآثار": "فكان فيما روينا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقبة أن يأمر أخته بالكفارة فيما كان منها من المعصية، وتَرْكِ تلك المعصية؛ إذ كانت الشريعة تمنعها منها... وكانت في نذرها بمعنى الحالفة لكشفها شعرَها في مشيها، فلم يكن منها ما حلفت عليه؛ لمنع الشريعة إياها عنه، فأُمِرَتْ بالكفارة عنه كما يؤمر الحالف بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيها".

فالحديث دليل على أن كشف الشعر معصية بحيث تمنع المرأة من فعلها وإن كانت قد نذرته.

ثانيًا: استدلاله بقصة سبيعة بنت الحارث على أن النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلتزمن بالحجاب، والحديث عن سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحَارِثِ: "أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بن خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ، تُرَجِّينَ النِّكَاحَ؟ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي".

فليس في الحديث إلا أنها اكتحلت وتخضبت ولبست، ومعلوم أنها كانت معتدة، فرأت أن عدتها قد انقضت بوضعها جنينها، فقامت فلبست ثوب زينة، وتكحلت في عينها، وخضبت كفيها، فتركت حال المعتدة، والمحادَّة، وعادت إلى شأن المرأة، وما تعتاده من زينة بيتها.

ثم إن أبا السنابل جاء يخطبها، فلو افترضنا أنها كشفت وجهها أمامه، مكتحلة، وقد خضبت كفيها؛ فهذا لا مانع من إظهاره للخاطب.

ومما يؤكِّد على كون ذلك التجمل كان في بيتها للخطاب: أنها عندما أرادت الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لسؤاله واستفساره، تهيأت لحال الخروج من البيت؛ فجمعت عليها ثيابها وذهبت ليلًا، فصارت القصة أيضًا كسابقاتها دليل عليه لا له!

ثالثًا: تردد الهلالي في حال النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في النهاية انتهى إلى أنهن كن يسترن أجسادهن ورؤوسهن عرفًا، ثم تردد: هل هناك مَن خالفت هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فادَّعى أن هناك مخالفات، وأنها كانت بغير نكير، وقد رددنا على ما ادَّعاه في قصة سبيعة، وقصة أخت عقبة بن عامر.

ثم عاد فادَّعى أن الدول التي خلطت الدين بالسياسة هي التي توجِّه اللوم لغير المحجبات؛ فأما في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يوجه لوم لمَن لا ترتدى الحجاب؛ بدلالة القصتين اللتين أشرنا إليهما، وزاد هو: أن افترض أن حالات المخالفة كانت كثيرة، وإن عدم نقل الإنكار يدل على أنه حدثت مخالفات وقَبِلَها المجتمع!

وهذا منه هو قمة الجهل، أو قمة المخادعة؛ فعلى صعيد الإنكار العام وردت نصوص كثيرة، منها:

- قوله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات... " الحديث.

- قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله عز وجل".

وأما إنكاره على مَن رآها تخالف ذلك؛ فقد تقدَّم حديث أسماء رضي الله عنها، وحديث أخت عقبة بن عامر، ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها وعليهن ثياب رقاق -ما هي مثل الألبسة التي يلبسها المتبرجات اليوم، بل هي ثياب ساترة، لكنها رقيقة- فقالت: "إن كنتن مؤمنات؛ فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعن به".

وفي الختام: نحذِّر عموم المسلمين مِن الاغترار بمَن يعبث بثوابت الدِّين، ويضرب بإجماع الأمة عرض الحائط.

ونسأل الله أن يقينا شرَّ الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

الصفحة السابقة