تقديم العقل على النقل عند الشيخ محمد عبده رحمه الله (2)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
فـ(هو حق لا مرية فيه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن من أهل المنطق ولا الفلسفة، ولم يكن من أهل الكلام، وليس الكلام في اللازم والملزوم، والواجب والممكن، والجوهر والعرض إلا فواقر أوردت أصحابها سوء المآل، وقد بلغت مصارعهم القاصي والداني، وأخبار ندمهم وغاية آساهم على ما ركبوا من هذا المرتع ظاهرة مشهودة بينة)، (هذا إذا كان يقصد بكلامه لفظ المنطق بالمعنى الاصطلاحي عند أهل الكلام، أما إن كان يقصد أنهم ليسوا من أهل المنطق بمعنى الذم، أي: أنهم كالأعراب الجفاة الذين لا يعقلون، وذلك كقول القائل لمَن لا يفهم: ليس عندك منطق)، فـ(لا يبعد تصوره من أهل اللجج والجدل والكلام، فكل كتاباتهم لمَن طالعها طافحة بأمثال هذه النعوت والصفات يرمي بها بعضهم بعضًا دون كابح أو زاجر؛ هذا وهم على مذهبٍ واحدٍ، فلا عجب أن يرموا أهل السنة من السَّلَف بأبشع الصفات، وأشنع الاتهامات!) (المصدر السابق، 134 بتصرفٍ) .
- أما قول الشيخ محمد عبده: (إن من يعتقد الجهة لا بد أن يعتقد التحيز والجسمية).
(فالجواب عليه ما قاله ابن تيمية (رحمه الله) ونصه: (معلوم أن الألفاظ نوعان: لفظ ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع؛ فهذا اللفظ يجب القول بموجبه، سواء فهمنا معناه أو لم نفهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًّا، والأمة لا تجتمع على ضلالة.
والثاني: لفظ لم يرد به دليل شرعي، كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة، هذا يقول: هو متحيز، وهذا يقول: ليس بمتحيز. وهذا يقول: هو في جهة، وهذا يقول: ليس في جهة. وهذا يقول: هو جسم أو جوهر، وهذا يقول: ليس بجسم ولا جوهر. فهذه الألفاظ ليس لأحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بين أنه أثبت حقًّا أثبته، وإن أثبت باطلًا ردَّه، وإن نفى باطلًا نفاه، وإن نفى حقًّا لم ينفه، وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه الألفاظ بين الحق والباطل في النفي والإثبات.
وكذلك لفظ المتحيز؛ يُرَاد به ما أحاط به شيء موجود، كقوله تعالى: "أو متحيزًا إلى فئة"، ويراد به ما انحاز عن غيره وباينه، فمَن قال: إن الله متحيز بالمعنى الأول لم يسلم له، ومَن أراد أنه مباين للمخلوقات سلم له المعنى، وإن لم يطلق اللفظ) (المصدر السابق، ص 135 نقلًا عن (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 5 / 298 - 300) .
فالمتكلمة والفلاسفة (اخترعوا ألفاظًا ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه، فهي اختراع محض، ثم يبنون عليها أحكامًا وأوهامًا، وقضايا في مسألة من المجهول التام الذي لا يبلغ إلا من نبي، ويجعلون اختراعهم هذا فيصلًا يحكمون به على الناس بالضلال والتناقض، وعدم الفهم والعقل) (المصدر السابق، ص 135 - 136 بتصرفٍ) .
(أما مسألة الجهة تحديدًا، ونقل الشيخ محمد عبده تكفير العراقي لمَن أثبت لله جهة، وإقراره عليه فهو عجيب جدًّا؛ لأنه يستلزم تكفير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين أثبتوا ذلك دون أدنى حرج أو توقف.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: (إن كون الرؤية مستلزمة أن يكون الله بجهة من الرائي، أمر ثبت بالنصوص المتواترة؛ ففي الصحيحين وغيرهما الحديث المشهور عن الزهري قال: إن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي، أخبرهما أبو هريرة أن الناس قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك. وذكر الحديث بطوله. قال أبو سعيد: أشهد لحفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا هو في الصحيحين من حديث أسلم عن عطاء بي يسار عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحوا؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحوا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما، وساق الحديث بطوله.
وفي صحيح مسلمك حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال ناس: يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة؟ قال: فهل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليست في سحاب؟ قالوا: لا. قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. وذكر الحديث بطوله.
فهذا فيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنهم يرونه في جهة منهم، مِن وجوه:
أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تُعرَف إلا لرؤية ما يكون بجهةٍ منهم؛ فأما رؤية ما ليس في الجهة؛ فهذا لم يكونوا يتصورونه، فضلًا عن أن يكون اللفظ يدل عليه) (فإنك لست تجد أحدًا من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة؛ فضلًا عن أن يتصور أنه يُرَى، فضلًا عن أن يكون اسم الرؤية المشهور في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة.
الوجه الثاني: أنه قال: (فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوًا، وكما ترون القمر صحوًا) فشبَّه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر، وليس ذلك تشبيهًا للمرئي بالمرئي، ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يرى في جهة من الرائي، كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك، فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول مَن يقول بالرؤية في غير جهةٍ.
أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحوًا، ورؤية البدر صحوًا، ويقول: إنكم ترون ربكم كذلك؛ فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها، فإن هذا اللفظ لا يتحملها حقيقة ولا مجازًا.
الوجه الثالث: أنه قال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، وهل تضارون في القمر ليس دونه سحاب)، فشبَّه رؤيته برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي. ومن يقول: إنه يرى في غير جهة يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم؛ إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم، ولما يكون في جهة. وهم يقولون: الحجاب عدم خلق الإدراك في العين، والنبي صلى الله عليه وسلم مثَّل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونهما حجاب.
