شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تقديم العقل على النقل عند الشيخ محمد عبده رحمه الله (2)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال الرد على الشيخ محمد عبده فيما ذهب إليه مِن تقديم العقل على النقل:

- قول الشيخ محمد عبده: (إنه إذا صَحَّ البرهان في شيءٍ؛ صح في بقية الأشياء؛ لأنه لا فرق بين برهان وبرهان).

فيقال: نعم مِن الجائز أنه لا فرق بين برهان وبرهان في المُشَاهَد المحسوس الذي تعرفه العقول، أما طرد هذه القاعدة على ما هو غيبي لا عِلْم للناس بكيفيته، لا نقول في حق الله تعالى، بل فيما هو أدنى، كما هو حادث في حق الجن والملائكة، وكيفية أدائهم للوظائف التي كلفوا بها من قِبَل الله تعالى، فلا يفترض صحة البرهان العقلي على ذلك، فالكلام عن تفاصيل تكوين الجن والملائكة وكيفية أدائها، وطرق معيشتها وحياتها وموتها لا يُعرَف إلا بالوحي، وإلا لأمكن للناس معرفة ذلك بعقولهم، ولما احتاجوا إلى إرسال الرُّسُل، وإنزال الكتب (نقلًا من كتاب: "نقض عقائد الأشاعرة في كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن"، تأليف أ. د. توفيق علوان ط. دار بلنسية - الرياض ط. أولى، ص 128- 129) .

- قول الشيخ محمد عبده: (إن الوحي من الله للنبي صلى الله عليه وسلم تنزيلًا وإنزالًا ونزولًا؛ لبيان علو مرتبة الربوبية؛ لا أن هناك نزولًا حسيًّا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض).

فجوابه: أنه لا شك أن نزول جبريل عليه السلام بالقرآن من السماوات العلى إلى الأرض هو نزول حسي، فإن الأرض أخفض من السماوات، مع الإقرار بأن هذا النزول لا يعارض أو ينفي علو مرتبة الله تعالى بمقام الربوبية.

(وإن كان الشيخ يقصد نفي علو الله تعالى حقيقة ونفي استوائه عز وجل فوق عرشه حقيقة، ويصرف المعنى إلى تأويل مرتبة الربوبية، لا ما أورده القرآن من التصريح بالفوقية والعلو والاستواء، فالجواب ما أورده (شارح الطحاوية) ونصه: (ومَن تأول (فوق) بأنه خير من عباده وأفضل منهم، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم، فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل: ابتداء الله خير من عباده وخير من عرشه، جنس من قوله الثلج بارد والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من فلان اليهودي، والسماء فوق الأرض! وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! ولا يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! كما قيل في المثل السائر:

ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا) (راجع المصدر السابق، ص 130 - 131 بتصرفٍ) .

- وقول الشيخ محمد عبده: (وليت شعري إذا لم نؤوله بمرتبة الربوبية، فماذا نريد منه؟ وهل بقي بعد ذلك شيء إلا العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيز؟ ولا يمكن نفي ذلك اللازم عنه متى أردنا العلو الحسي، فإن نفي التحيز عن العلو الحسي غير معقول، ولا معنى للاستلزام إلا هذا، أما هم فينفون اللوازم، ولا أدري كيف ننفي اللوازم مع فرضها لوازم؟ هذا خلف، ولكن القوم ليسوا أهل منطق).

فجوابه: (قوله: بأن التأويل حتم لنفي التشبيه، وهو عناه بلزوم الجهة والتحيز لمَن فهم النص على ظاهره، أي: أننا إذا لم نؤول العلو بأنه معنوي لا كما يصرح النص في الكتاب والسنة، فإن ذلك يستلزم التجسيم ولا بد، وهو باطل؛ لأنه يستلزم أقسام الناس حول آيات الصفات إلا فريقين لا ثالث لهما: فريق المؤولة وفريق المجسمة، وبطلان هذا القول أظهر من شمس النهار، لوجود المذهب الشاهر الجاهر الذي عليه عامة الصحابة وأئمة أهل السنة من علماء الحديث والفقهاء من الأحناف والحنابلة، والشافعية والمالكية، وجماهير أهل الأصول).

(وكلهم؛ لا هم متأولة، ولا هم مجسِّمة مشبهة، فثبت بهذه الشهادة الدامغة بطلان التلازم من تحتم التأويل أو التجسيم، ولا واسطة. أما ما ذكر من العلو الحسي، فإن قصد علو الله تعالى فوق عرشه، بائنًا من خلقه، فهو مسلم، وهو مذهب السلف، وعليه كل علمائهم، فهو علو حقيقي لا مجازي، ونزول الله تعالى نزول حقيقي لا مجازي، بلا كيف؛ لأن الكيف مجهول، وسعي العقل لإدراكه محال. وإن كان يقصد بالعلو الحسي تشبيه الله تعالى بخلقه من حيث إن له تعالى جرم مادي يتحيز ويتجسد، وغير ذلك من صفات الخلق؛ فهو باطل لقول الله تعالى: "ليس كمثله شيء"، فكل ما دار على قلب البشر فالله ليس كذلك؛ لأن أفكار البشر أشياء وموضوعاتها أشياء، والله ليس كمثله شيء.

وهو جواب قاطع على قوله: إن نفي التحيز مع إثبات العلو الحسي غير معقول؛ فقد تبيَّن لك: أن المعقولية إنما تتعلق بما للبشر به تجربة ودربة، وعلم ودراية، أما كيفية العلو فقد أوضحنا مرارًا: أن الكيف مجهول، والعقل يستحيل عليه البناء على ما هو مجهول له من كل وجه. فقوله: إن اللازم غير معقول فيه خلف وتحكم، كذلك لا بد أن يكون حسيًّا متحيزًا بمعنى التشبيه بين الله وبين المحسوسات من المخلوقات باطل، فإن العلو واقع حقيقة لا مجازًا، وأيضًا ليس كعلو المخلوقات، وهو بيِّن جدًّا، سواء في العقل أو في النص الصريح في الكتاب والسنة) (المصدر السابق، ص 132 - 133 بتصرفٍ) .

- أما قول الشيخ محمد عبده: (ولكن القوم ليسوا أهل منطق).

الصفحة التالية