شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عِيدُنا أهلَ الإسلامِ -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- عيد الأضحى المبارك 1443هـ

صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور

(إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يُضَيِّعُ ‌أَهْلَهُ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مَعَاشِرَ المسلمين ... هذا يومُ عِيدِنا "يوم الحجِّ الأكبرِ"؛ يومٌ يَرْبِطُ حَاضِرَنا بماضِينا؛ لِنَسْتَلْهِمَ منه الطريقَ الذي ينبغي أن نسيرَ عليه، ومِن بينِ الدروسِ الكَثِيرةِ التي تَفُوحُ مِن هذه المُنَاسَبةِ العَظِيمةِ، نقتطفُ هذه المعاني؛ لعل اللهَ أن ينفعنا بها.

إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يُضَيِّعُ ‌أَهْلَهُ:

لقد ضَرَبتْ هَاجَرُ عليها السلام المَثَل الرَّائِع لكلِّ المؤمنينَ "رِجَالًا ونِسَاءً" في الثِّقَة باللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَقَد تَرَكَها إبراهيمُ عليه السلام هِي ورَضِيعَهَا إسماعيلَ عليهما السلام في صَحَرَاء جَرْدَاء، وهو ما لا يمكن لإبراهيمَ عليه السلام أن يَفْعَلَه بِوَلَدِه وأمِّ وَلَدِه هَكَذا! ومِن ثَمَّ أيقنتْ هَاجَرُ أنه عليه السلام لا يَفْعَل هذا إلا بوحي، فَسَأَلَتْهُ سُؤَالًا تقريريًّا: "آللهُ أَمَرَكَ بهذا؟!"، فقال لها: "نَعَم"، فقالت تلك الكلمة الإيمانية البليغة: "إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا!".

يا لها مِن كَلِمَةٍ رائعةٍ تُلخِّص حالَ القلبِ العَامِر بالإيمان، وثِقَتِه بالله، ومما يزيد في رَوْعَتِها: أن تَخْرُجَ مِن امرأةٍ تنتظِر المجهولَ لها ولطفلِها!

فكان مِن بَرَكَةِ ثِقَتِها بالله: أن أرسلَ اللهُ لها مَلَكًا يَحْفر لها "بئر زمزم" تحت رجل وَلِيدِها، وليؤكِّد لها حُسْنَ ظَنِّها بالله، وليكرر عليها: "إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يُضَيِّعُ ‌أَهْلَهُ".

إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يُضَيِّعُ ‌أَهْلَهُ: فَيَلْطُف بهم في قضائه وقَدَرِه، وإن قَدَّر عليهم مَكْرُوهًا أفرغ عليهم صَبْرًا، "إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".

قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى: "وَكُلُّ مَنْ وَافَقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌فِي ‌أَمْرٍ ‌خَالَفَ ‌فِيهِ ‌غَيْرَهُ فَهُوَ مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ؛ وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: ( ‌لَا ‌تَحْزَنْ ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌مَعَنَا )؛ فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلنَّصْرِ هِيَ لِمَا جَاءَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَهَذَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ وَجَرَّبْنَا مَا يَطُولُ وَصْفُهُ".

وهَكَذا رأينا في قِصَّةِ هَاجَر عليها السلام، كيف كانت عَاقِبَةُ حُسْنِ ظنِّها بالله: أن كانت تلك البِئْرُ المُبَارَكَةُ التي نَهَل العَرَبُ مِن بركتها قديمًا، ثم حينما حُفِرت مرة أخرى -بفضل الله- قُبَيْل ميلاده صلى الله عليه وسلم ظَلَّت بَاقِية له ولأمته "‌طعام ‌طُعم، وشِفَاء سُقم" إلى يوم الدِّين.

لقد تَحَدَّثَ أحدُ كِبَار المتخصصين في الطِّبِّ: فبيَّن أن إيمانَ المؤمنِ يعطيه قوةً ودافعًا لكي يمرَّ مِن المَصَائِب، ولا يَدْخُلَ في دَائِرَةِ القلق والاكتئابِ المَرَضي، وهذا ما قد عَبَّر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ ‌صَبَرَ ‌فَكَانَ ‌خَيْرًا ‌لَهُ" (رواه مسلم)، ولم يُنْكِر الرَّجُلُ أن مِن الأمراضِ النفسيةِ ما يُصِيبُ النَّاسَ رغم صَلَاحِهِم، ولم يَقُل: إن مَن أُصِيبَ بالمَرَضِ النفسي أيًّا ما كان سَبَبُه لا يُعَالَج، ولكن مِن القوم مَن أَحْزَنَه مُجَرَّدُ أن يوجدَ مَن يذكِّر الناسَ أنهم في حَاجِةٍ مَاسَّةٍ إلى الإيمانِ لصَلَاحِ أحوالهِم في الدنيا والآخرة!

وهذا مما يجعلنا نُدْرِك حجمَ التَّحَدِّياتِ التي تُحَتِّم علينا أن نَسْعَى إلى أن يكونَ الدِّين دائمًا في مكانِهِ الطبيعي كمرجعيةٍ عليا للفردِ والمجتمعِ في ظلِّ مطاردةِ العلمانيةِ له؛ حتى إنها لا تُرِيدُ ذِكْرَه، ولو في مُنَاسَبةِ الوقاية مِن أمراضٍ تفتكُ بالمجتمعِ! فهذا الذي انتحرَ لمَّا رفضتهُ فتاةٌ، وذاك الذي قَتَل فتاةً؛ لأنها رفضتْ خِطْبَتَه؛ لم يكونا يعانيان مِن مَرَضٍ نفسي رَاجِع إلى خللٍ عضوي في الأساسِ، ولكنهما -وأمثالَهما- شابان تُرِكَا عُرْضَةً لفنونٍ تربِّيهم على أن مشروعَ الحياةِ الأولِ والأخيرِ للإنسانِ هو حبُّ فتاةٍ بعينِها، ثم تُبيِّن له أن مَن فَقَد هذا؛ فلا قِيمة لحياتِهِ، أو لا ينبغي أن يَتْرك مَن مَارَسَتْ حَقَّها في رفضِهِ تَعِيش!

مجتمعٌ يقتلُ نفسَه ... ومع هذا لا تريدُ العلمانيةُ مِن أحدٍ أن يَنْصَحَ المجتمعَ أو يذكِّرَه بأن الالتزامَ بالدِّين والبُعدَ عن الشَّهَوَاتِ هو مِن أهمِّ وَسَائِل حمايةِ المجتمعِ، ولكن كما قال تعالى: "وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا".

إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يُضَيِّعُ ‌أَهْلَهُ: فيخرجهم من الظلماتِ إلى النورِ، بل كل مَن لم يكن مِن أهلِ الله، ومِن أتباع شريعةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو ضَائِعٌ في بحورٍ متلاطمةٍ مِن الشبهاتِ والشهواتِ، "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

الصفحة التالية