عِيدُنا أهلَ الإسلامِ -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- عيد الأضحى المبارك 1443هـ
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
وبِقَدْر هذا الابتعادِ عن شَرِيعَتِه صلى الله عليه وسلم بِقَدْر ما يكون الضَّيَاعُ والغَرَق في بحورِ وظلماتِ الضلالاتِ والخرافاتِ؛ فلا يمكن أن يكونَ مهتديًا في نورِ الكتابِ والسنةِ، مَن اتَّبَع أو دَعَا إلى خِلَاف ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم مِن التَّوجُّه إلى اللهِ تبارك وتعالى وَحْدَه، وصَرْفِ عباداتِ القلبِ والجوارحِ له دون مَن سواه ممَّن يُدْعَون مِن دونهِ وتُصْرَف لهم الدعوات والنذور، بل والخوف والرجاء، مع عدم تسمية ذلك عبادة لهم، وإنما توسلٌ بهم إلى الله وتبرك بهم، وهذا ما قاله الكفار الأولون: "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى"؛ فلم ينفعهم ذلك عند الله، وردَّ اللهُ عليهم بقوله: "قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا".
أو مَن كان يلجأ إلى غيرِ اللهِ سبحانه وتعالى؛ بزعم أنهم أولياءُ متصرِّفون في الكونِ أَوْكَلَ اللهُ إليهم ذلك، أو يُعتقَد فيهم النفعَ والضرَّ؛ بزعم أن اللهَ أقدرهم على ذلك كَرَامةً لهم! وقد قال تعالى: "وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ"، وقال عز وجل: "قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ . قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ".
ومِن عجيب أمر البعض: أنه حِين يجدُ في قلبِهِ حاجةً فطريةً إلى التَّعَبُّدِ والتذللِ لخَالِقِه، ثم يزينُ له شيطانُه أنه لا يعرف خَالِقَه ولا الطريقَ إليه، فيبحثُ عن مخلوقٍ تتجلَّى فيه صفاتُ الإلهِ بزعمِهِ؛ فلا يجدُ إلا البقرةَ لكي يقدِّسَها، ويعبدَها العبادةَ التي كان ينبغي أن يتوجَّه بها إلى خَالِقِه!
والأعجب مِن هذا: أن أجدادَ هؤلاء لما سَافَر إليهم أجدادُنا تُجَّارًا، فرأوا كيف أثَّرت فيهم مراقبةُ اللهِ الخَلَّاقِ العليمِ الذي يراهم، ويعلمُ سِرَّهم؛ أيقنوا أن أديانَهم الباطلةَ سرابٌ شغلهم عن مطلوبهم الحقيقيِّ الفطريِّ الذي فُطِرَت قلوبُهم على طلب محبتهِ والتَّقَرُّبِ والتذللِ له، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وبقيَ منهم مَن بقيَ عصبيةً لدين آبائه وأجداده، ولكنهم في زماننا طمعوا فينا؛ لضعفِنا، وقِلَّةِ اعتزازِنا بديننا، وتقصيرِنا في بيانه وتوضيحه؛ فصار بعضهُم يطعنُ في الإسلام، وفي النبي عليه الصلاة والسلام!
وإنما طمع هؤلاء مِن يومِ أن غَابَت عنا تلك الحقيقةُ الناصعةُ: أننا ينبغي أن نشكرَ اللهَ أن أخرجنا مِن الظلماتِ إلى النورِ، ومِن شكرِ اللهِ على هذه النعمة: أن نعملَ على إخراج البشرية جمعاءَ مِن الظلمات إلى النور، كما قال ربعيُّ بنُ عامرٍ رضي الله عنه: "إن الله ابتعثنا لنخرج العِبَادَ مِن عبادةِ العِبَادِ إلى عبادة ربِّ العبادِ، ومِن جَوْر الأديانِ إلى عَدْلِ الإسلامِ، ومِن ضِيقِ الدنيا إلى سَعَة الدنيا والآخرةِ".
إن الله لا يضيع مَن اتَّبع شرعه، بل مَن أعرض عنه تكون حياته ضنكًا: قال الله تعالى: "قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى".
ومِن تَمَام إيمانِ المؤمن بالله وثِقَتِه في اللهِ: أن يثقَ أن شَرْعَ اللهِ هو الذي يكفلُ له السعادةَ والهناءَ، وأن أي مخالفةٍ لشرعِ اللهِ وإن كان فيها شهوةٌ عاجلةٌ؛ إلا أن عواقبها وخيمةٌ؛ فإن اللهَ تعالى لا يُحَرِّم شيئًا إلا إذا كان خبيثًا أو كان الغالبُ عليه الخَبَث، كما قال تعالى في صفةِ النبي صلى الله عليه وسلم: "يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ"، وقال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا".
أختي المسلمة ... أيُعقَل أن يتسرَّبَ إليكِ الشكُّ بأن شرعَ اللهِ يضيعُكِ؟!
قالت هاجرُ عليها السلام -وكلها ثِقَة بالله- في أمرٍ قَدَريٍّ: "إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا!"؛ رغم أنها كانت بالفعل في مصيبةٍ لا تدري على ماذا سينتهي بها أمرها؟! لكنها قالت ذلك؛ ثِقَة بربها عز وجل.
