فوائد من قصة جُرَيْج العابد (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- الإشارة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستخدم القصص في الدعوة والتربية؛ لما له مِن عظيم الفائدة على النفوس والقلوب: قال الله -تعالى-: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الأعراف: 176) .
- ومن القصص العظيم الذي قصَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، ويحمل العِبَر والفوائد الكثيرة: "قصة جريج العابد"؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثَةٌ: عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وكانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عابِدًا، فاتَّخَذَ صَوْمعةً فَكانَ فيها، فأتَتْهُ أُمُّهُ وهو يُصَلِّي فقالَتْ: يا جُرَيْجُ، فقالَ: يا رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ وهو يُصَلِّي، فقالَتْ: يا جُرَيْجُ، فقالَ: يا رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ وهو يُصَلِّي فقالَتْ: يا جُرَيْجُ، فقالَ: أيْ رَبِّ أُمِّي وصَلاتِي، فأقْبَلَ علَى صَلاتِهِ، فقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حتَّى يَنْظُرَ إلى وُجُوهِ المُومِساتِ، فَتَذاكَرَ بَنُو إسْرائِيلَ جُرَيْجًا وعِبادَتَهُ، وكانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِها، فقالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قالَ: فَتَعَرَّضَتْ له، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فأتَتْ راعِيًا كانَ يَأْوِي إلى صَوْمعتِهِ، فأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها، فَوَقَعَ عليها فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا ولَدَتْ قالَتْ: هو مِن جُرَيْجٍ، فأتَوْهُ فاسْتَنْزَلُوهُ وهَدَمُوا صَوْمعتَهُ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذِه البَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فقالَ: أيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجاؤُوا به، فقالَ: دَعُونِي حتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ في بَطْنِهِ، وقالَ: يا غُلامُ مَن أبُوكَ؟ قالَ: فُلانٌ الرَّاعِي، قالَ: فأقْبَلُوا علَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ ويَتَمَسَّحُونَ به، وقالوا: نَبْنِي لكَ صَوْمعتَكَ مِن ذَهَبٍ، قالَ: لا، أعِيدُوها مِن طِينٍ كما كانَتْ، فَفَعَلُوا... ) (متفق عليه) .
- شرح مجمل للقصة ثم الإشارة إلى الدروس والفوائد وهي كثيرة؛ إلا أننا سنقف على أبرزها.
(1) بيان أثر عقوق الوالدين:
- إذا كان العبد الصالح لما انصرف عن أمه إلى صلاته كان ذلك عقوقًا تسبَّب في هذا البلاء الذي أصابه، فقد كان الواجب على جريج أن يجيب أمه، فإنه إذا تعارضت الأمور بُدِئ بأوجبها، ففي رواية أخرى لمسلم: وَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ، كيفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقالَتْ: ( يا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي... ).
- فكيف بهؤلاء الذين يسيئون إلى الوالدين بالأقوال والأفعال ونكران المعروف؟! قال الله -تعالى-: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (الإسراء: 23-24) ، وقال -تعالى-: ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ? وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (لقمان: 15) ، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: ( أحَيٌّ والِدَاكَ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَفِيهِما فَجَاهِدْ ) (متفق عليه) .
- دعاء الوالدين مستجاب، لا سيما عند العقوق: ففي القصة: ( اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حتَّى يَنْظُرَ إلى وُجُوهِ المُومِساتِ ) (1) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٌ لا شَكَّ فيهِنَّ: دَعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافرِ، ودعوةُ الوالدِ على ولدِهِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رضا الربِّ تبارَك وتعالى في رضا الوالِدَيْنِ، وسخَطُ الله تبارَكَ وتَعالى في سَخَط الوالدَيْنِ ) (رواه البزار، وحسنه الألباني لغيره) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بابانِ مُعجَّلانِ عُقوبتُهما في الدنيا: البَغْيُ، والعقُوقُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
(2) حقد أهل الفجور على الصالحين المصلحين:
- الساقطون في أوحال الرذيلة والشهوات، يودون أن لو كان الناس جميعًا على شاكلتهم: ففي القصة: ( فَتَذاكَرَ بَنُو إسْرائِيلَ جُرَيْجًا وعِبادَتَهُ، وكانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِها، فقالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ... )، وقال -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) (النساء: 89) ، وقال القائل: "ودت الزانية لو زنت النساء جميعًا".
- على أهل الصلاح أن يتأهلوا لمثل هذه الظروف (سعي أهل الباطل في تشويه صورتهم)؛ فإنها طبيعة الطريق إلى الجنة (2) : قال الله -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ? فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت: 2-3) ، وقال -تعالى-: ( كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) (الذاريات: 52) .
