شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (75) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله تعالى: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (النساء: 123-125) .

قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لا بد أن يؤخَذ مستحقها مِن العبد؛ إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة، والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة؛ شَرَع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده؛ ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة، ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو: النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو: الخيط الذي في شق النواة، وهذا النقير، وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.

ثم قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) أي: أخلص العمل لربه عز وجل، فعمل إيمانًا واحتسابًا، ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون متابعًا للشريعة؛ فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فَقَد العمل أحد هذين الشرطين فسد.

فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراؤون الناس، ومَن فقد المتابعة كان ضالًّا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة؛ ولهذا قال تعالى: ( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ( ‌إِنَّ ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ ‌بِإِبْرَاهِيمَ ‌لَلَّذِينَ ‌اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 68 ) ، وقال تعالى: ( ‌ثُمَّ ‌أَوْحَيْنَا ‌إِلَيْكَ ‌أَنِ ‌اتَّبِعْ ‌مِلَّةَ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل: 123) ، والحنيف : هو المائل عن الشرك قصدًا، أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبلًا على الحق بكلِّيته؛ لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه رادٌّ.

وقوله: ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا )؛ هذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدَى به، حيث وصل إلى غاية ما يتقرَّب به العبادُ له، فإنه انتهى إلى درجة الخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ( وَإِبْرَاهِيمَ ‌الَّذِي ‌وَفَّى ) (النجم: 37) ، قال كثيرون من السلف: أي: قام بجميع ما أُمِر به، ووفَّى كلَّ مقامٍ مِن مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: ( ‌وَإِذِ ‌ابْتَلَى ‌إِبْرَاهِيمَ ‌رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) (البقرة: 124) ، الآية، وقال تعالى: ( ‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120) ، الآية والآية بعدها.

قال: وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: إن معاذًا لما قَدِم اليمن صلَّى الصبح بهم فقرأ: ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا )، فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم.

وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما سمَّاه الله خليلًا؛ مِن أجل أنه أصاب أهل ناحيته جَدْبٌ، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل -وقال بعضهم: من أهل مصر- ليمتار طعاما لأهله من قِبَلِه، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب مِن أهله مَرَّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون ففعل ذلك، فتحول ما في غرائره مِن الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام وقام أهله ففتحوا الغرائر، فوجدوا دقيقًا فعجنوا وخبزوا منه فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: مِن الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من خليلي الله، فسمَّاه الله بذلك خليلًا.

قال: وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته: أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، ( قلتُ: قد أحسن ابن كثير في ردِّ هذا الأثر واعتباره من الإسرائيليات).

وإنما سُمِّي خليلُ الله؛ لشدة محبة لربه عز وجل لما قام له مِن الطاعة التي يحبها ويرضاها؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: "أما بعد، أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله"، وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا".

الصفحة التالية