دروس من قصة المرأة التي اتخذت رِجْلَيْن من خشب (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- هي قصة من قصص بني إسرائيل، وقعت أيام اشتغال بني إسرائيل بالمظاهر الكاذبة، وقد أدَّى ذلك بهم إلى الدمار والهلاك؛ عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كانَتِ امْرَأَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قَصِيرَةٌ تَمْشِي مع امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِن خَشَبٍ، وخاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وهو أطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بيْنَ المَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوها، فقالَتْ بيَدِها هَكَذا ) ونَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ. (رواه مسلم) . وفي رواية أحمد: (فَكَانَتْ إذَا مَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ حَرَّكَتْهُ، فَنَفَحَ رِيحُهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وفي رواية ابن حبان: ( فَاتَّخَذَتْ لَهَا نَعْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
- ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، عن أبي سعيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب خطبة فأطالها، وذكر فيها أمر الدنيا والآخرة فذكر: ( أَوَّلَ مَا هَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّ امْرَأَةَ الْفَقِيرِ كَانَتْ تُكَلِّفُهُ مِنَ الثِّيَابِ أَوِ الصِّبْغِ، أَوْ قَالَ: مِنَ الصِّيغَةِ مَا تُكَلِّفُ امْرَأَةُ الْغَنِيَّ، فَذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ قَصِيرَةً، وَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ وَخَاتَمًا لَهُ غَلَقٌ وَطَبَقٌ، وَحَشَتْهُ مِسْكًا، وَخَرَجَتْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ أَوْ جَسِيمِتَيْنِ، فَبَعَثُوا إِنْسَانًا يَتَّبِعُهُمْ فَعَرَفَ الطَّوِيلَتَيْنِ، وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَةَ الرِّجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ ) (رواه ابن خزيمة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة) .
- شرح مجمل للقصة (من شرح مسلم للنووي)، ثم الإشارة إلى الدروس والعِبَر الآتية:
الدرس الأول: خطر التنافس في أمور الدنيا:
- كانت بداية فساد بني إسرائيل من جهة التنافس على مظاهر الدنيا الكاذبة (الملابس - الحلي والزينة والحفلات - تزيين البيوت والإسراف في ذلك)، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَّلَ مَا هَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّ امْرَأَةَ الْفَقِيرِ كَانَتْ تُكَلِّفُهُ مِنَ الثِّيَابِ أَوِ الصِّبْغِ، أَوْ قَالَ: مِنَ الصِّيغَةِ مَا تُكَلِّفُ امْرَأَةُ الْغَنِيَّ ).
- خطر التنافس في أمور الدنيا على البيوت والأسرة (ديون وقروض ربوية - طلاق - سجن - ... ): قال -تعالى-: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) ، وقال -تعالى-: ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء:34) . وروي في الحديث: "مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ" (رواه ابن ماجه، والطبراني، وضعفه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا... ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ ) (متفق عليه) . وكانت المرأة من نساء السلف تقول لزوجها: "اتَّقِ الله فينا، ولا تطعمنا إلا الحلال؛ فإنا نصبر على جوع الدنيا، ولا نصبر على نار الآخرة".
- الصالحون يتنافسون في أمور الآخرة: قال تعالى: ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الحديد:21) .
الدرس الثاني: العبرة بالأعمال والقلوب، وليس بالصور والمظاهر:
- لقد ازداد الفساد الاجتماعي في بنى إسرائيل، حتى وصل إلى التنافس في تغيير الفطرة وما عليه خلق الإنسان: (الشاهد من القصة هو احتقار المرأة القصيرة نفسها، وبحثها عن وسيلة محرمة لتغيير خلقتها).
- وهذا من كيد الشيطان الذي توعد به الإنسان في كل زمان: ( وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) (نساء:118-119) .
- ولقد حقق الشيطان مراده في كثير من الناس (عمليات التجميل المحرمة - أدوات الزينة التي تغير الخلقة -... ): قال تعالى: ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (سبأ:20) .
