الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (76) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (4)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقال رحمه الله في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا): "هذا قضاءٌ مِن الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلِها، يقول الله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا ) أيها الناس، وأصوبُ طريقًا، وأهدى سبيلًا ( مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ )، يقول: ممَّن استسلم وجهُه لله؛ فانقاد له بالطاعة، مصدِّقًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به مِن عند ربه" وهو محسن"، يعني: وهو عاملٌ بما أمره به ربه، محرِّم حرامه ومحلِّل حلاله، ( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا )، يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه مِن بعده وأوصاهم به، ( حَنِيفًا ) يعني: مستقيمًا على منهاجه وسبيله.
وقال تعالى مبيِّنًا بطلان مذهب تعدد الحق لتعدد الأديان والملل: ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (فصلت:19-23) ، فقد ظنوا بربهم ظنًّا فاسدًا أهلكهم وهم يحسبون أنفسهم على الحق، وهم أعداء الله وهم يظنون أنفسهم أولياءه!
وقال تعالى: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف:103-105) .
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "هم اليهود والنصارى؛ فأما اليهود فكفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب" (رواه البخاري في صحيحه) .
فدلَّت الآيات على أن مَن ضَلَّ وهو يحسب أنه يحسن صُنْعًا بإعراضه عن آيات الله، وتكذيبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاده الفاسد في الآخرة؛ فهو أخسر الناس عملًا، ولا ينفعه ظنه أو تقليده أو اجتهاده في مخالفة رُسُل الله عز وجل، وقال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) (الأحزاب: 64-68) ، فقد ضلوا بإضلال السادة والكبراء لهم؛ فلم ينفعهم تقليدهم، وظنهم أنهم على الحق.
وقال تعالى: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ) (سبأ: 31-33) الآية؛ فقد دلَّت الآية على أن تقليدهم لكبارهم المستكبرين في الأرض لا ينفعهم، وظنهم الباطل لا يغني عنهم شيئًا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) ، فدل هذا الحديث على أن بلوغَ خبرِ النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، ودعوته إلى التوحيد؛ كافٍ في قيام الحجة على اليهود والنصارى؛ فضلًا عن غيرهم.
وكل هذه الأدلة تدل على أن الحق واحدٌ، وأن دين الإسلام دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودين إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم؛ فلا أحسن مِن هذا الدِّين، ولا يقبل مِن أحدٍ غيره، كما قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران: 85) ، وقال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران: 19) .
قال ابن قدامة رحمه الله في روضة الناظر -في الكلام على مسألة كلَّ مجتهدٍ مصيب، وزعم الزاعم: أن مخالفة ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن الحق؛ فهو معذور غير آثم، وهو مذهب الجاحظ-: "وأما الذي ذهب إليه الجاحظ؛ فباطل يقينًا، وكفر بالله تعالى ورد عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنا نعلم قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ اليهودَ والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم، ونعلمُ أن المعاندَ العارفَ مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه" (انتهى من روضة الناظر) . وهو يقصد أنهم لم يعرفوا ذلك؛ لأنهم أعرضوا عنه بعد أن بلغهم.
ومن الأدلة على ذلك:
