شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (76) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (4)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله تعالى: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (النساء: 123-125) .

في الآيات الكريمة فوائد:

الأولى: ظَنُّ أهل كلِّ مِلَّة أنهم على الحق، وأنهم سيدخلون الجنة إن وُجِدت آخرة؛ لا يغني عن أصحابه شيئًا، فهي أماني الباطل، وليس الدِّين بالتمني ولا بالتحلي، والانتسِاب الباطل إلى الأنبياء، وإلى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم خصوصًا، ودعوى الدِّين الإبراهيمي الذي يتساوى فيه اليهود والنصارى والمسلمون، ولكن الإيمان والدِّين هو ما وَقَر في القلب وصَدَّقه العمل، كما قال الحسن البصري رحمه الله: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وَقَر في القلب وصَدَّقه العمل، إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حَسَنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله تعالى! وكَذَبوا؛ ‌لو ‌أحسنوا ‌الظن ‌لأحسنوا ‌العمل".

الفائدة الثانية: وجود هذه الأماني الباطلة لدى المشركين وأهل الكتاب مِن أوضح الأدلة في الردِّ على مَن يزعم أن الكفرَ يلزم فيه المعاندة، بعد معرفة الحق في باطن الإنسان، وأن مَن أخطأ الاجتهادَ في أصلِ الدِّين ولو كَذَّب اللهَ وسولَه وأشرك بالله، بل ولو ألحد، لكن باجتهاده كان ناجيًا عند الله وإن كَذَّب الرُّسُلَ والكُتُب! كما يقوله طائفة مِن زنادقة زماننا؛ فيقولون بأن نسبية الحق مطلقة، بمعنى أن كلَّ إنسان يرى نفسه على الحق، فهذا هو الحق عنده، وعند غيره من الناس شيء آخر؛ فهو حق أيضًا!

فالحق عندهم متعدد، والملل كلها صواب، وكلُّ مَن تمسَّك بكلِّ ما هو عليه كان ناجيًا داخلًا الجنة، وهذا المذهب في حقيقته كفر وتكذيب للقرآن وللرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم؛ فالمشركون وأهل الكتاب يمنون أنفسهم بالجنة، والمشركون وإن لم يؤمنوا بالآخرة فهم يمنون أنفسهم بأنهم أهل الحق، لا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكذَّبهم الله، فقال لهم ولأهل الكتاب: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ) إلى قوله -تعالى-: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ).

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: "وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد: مِن أنه عُني بقوله: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ )، مشركي قريش.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن المسلمين لم يجرِ لأمانيهم ذكر فيما مَضَى مِن الآي قبل قوله: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ )، وإنما جَرَى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: ( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلِآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ) (النساء:119) ، وقوله: ( عِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ) (النساء:120) ، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) بما قد جَرَى ذِكْرُه قَبْلُ، أحقُّ وأولى مِن ادِّعاء تأويلٍ فيه ( قلتُ: يعني أن ذلك في مجادلة بين المسلمين وأهل الكتاب) لا دلالةَ عليه مِن ظاهر التنـزيل، ولا أَثَرَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إجماع من أهل التأويل.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذًا: ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه، التي يمنيكموها وليُّكم عدوُّ الله مِن إنقاذكم ممَّن أرادكم بسوءٍ، ونصرتكم عليه وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمه عنهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ولَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاءَ عمله، مَن يعمل منكم سوءًا، أو مِن غيركم ( يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ).

ومما يدلُّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) مشركو العرب، كما قال مجاهد: إن اللهَ وَصَف وَعْدَ الشيطانِ ما وَعَدَ أولياءهُ، وأخبَر بحال وَعْدِه، ثم أتبع ذلك بصفة وعدِه الصادق سبحانه بقوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا )، وقد ذَكَر -جل ثناؤه- مع وصفِه وَعْدَ الشيطان أولياءه، وَتَمْنِيَتِهِ إياهم الأمانيّ بقوله: ( يَعْدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ )، كما ذكر وَعْدَه إياهم؛ فالذي هو أشبهُ: أن يُتبعَ تمنيتَه إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدته إياهم به من الصفة.

وإذ كان ذلك كذلك، صَحَّ أن قوله: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) الآية، إنما هو خبرٌ مِن الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائرة أمانيهم مع سيئ أعمالهم مِن سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله مِن حُسْن الجزاء، وإنما ضمَّ جل ثناؤه أهلَ الكتاب إلى المشركين في قوله: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ )؛ لأن أماني الفريقين مِن تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يُمَنِّيهُمُوهَا بقوله: ( وَلَأُضِلَنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ )".

الصفحة التالية