شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع قصة المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- إن القلوب القاسية، والطباع المنحرفة، تلقي بأصحابها إلى النار؛ ذلك بخلوها من الرحمة، لا تبالي بما فعلته بالآخرين، فتقتل وتضرب وتفسد، وبذلك أهلك هؤلاء أنفسهم بسبب ما فعلوه بالآخرين.

- ومن هؤلاء: هذه المرأة التي حدثنا عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد حبست هرة حتى ماتت جوعًا وعطشًا، فدخلت بها النار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأرْضِ ) (رواه البخاري) ، وفي رواية أخرى له: ( عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ ) (رواه البخاري) (1) .

- شرح إجمالي للقصة مع الإشارة إلى أن التفصيل سيأتي مع الدروس والوقفات التالية.

(1) ذم القسوة وبيان عاقبتها:

- لقد قص النبي -صلى الله عليه وسلم- القصة؛ للتحذير من قسوة القلوب، وبيان عاقبتها: (ففي القصة عظيم قسوة قلب المرأة، وقد ظلت تسمع عواء الهرة أيامًا من جراء الجوع والعطش، ومع ذلك لم تأخذها بها رحمة أو شفقة حتى لفظت أنفاسها!).

- حذَّر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- من القسوة والغلظة التي تنفر الناس من صاحبها: قال تعالى: ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (آل عمران: 159) .

- والقسوة من صفات الغافلين: قال -تعالى-: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام: 43) .

- وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن القسوة والغلظة من علامات ضعف الدين والإيمان: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ ) (متفق عليه) ، (قال العلماء: هم الأعراب الذين لهم صياح وجلبة عند سوق الإبل).

- بل وهي مِن أسباب دخول النار والحرمان من الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألَا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ ) (متفق عليه).

من أسباب وعلامات قسوة القلب:

في القصة بيان عاقبة القسوة، فيحسن التنبيه على الأسباب المؤدية إليها؛ ليحذرها المسلم، وأبرزها:

أ‌- كثرة الذنوب والمعاصي من دون توبة ورجوع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ المؤمنَ إذا أذنبَ كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب ونزع واستغفرَ صقلَ قلبُه (2) ، فإن زاد زادت فذلك الرَّانُ الذي ذكرَه اللهُ في كتابِه: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوْا يَكْسِبُونَ ) (رواه الترمذي وابن ماجه واللفظ له، وحسنه الألباني) .

ب‌- الانغماس في الدنيا، والتوسع في الملذات المباحات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ )، وقال الفضيل بن عياض: "ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام".

ت‌- قلة ذكر الموت والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكثروا ذِكرَ هاذمِ اللَّذَّات ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح") ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( زوروا القبورَ فإنَّها تذَكِّرُكمُ الآخرةَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

ث‌- عدم الإحسان والرحمة إلى الضعفاء والمرضى والمحتاجين ونحوهم: روي أن رجلًا شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسوة قلبه، فقال له: ( إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، وجَاءَ أعْرَابِيٌّ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَما نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أوَأَمْلِكُ لكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟! ) (متفق عليه) .

ج‌- هجر القرآن أو عدم التأثر عند تلاوته: قال -تعالى-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر: 23) ، وقال: ( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (الحشر: 21) .

(2) فضل خلق الرحمة وبيان أثره في الدنيا والآخرة:

- في مقابلة القسوة التي كانت سببًا في هلاك المرأة، تأتي الرحمة التي هي سبب لكل خير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن لا يَرْحَمِ النَّاسَ، لا يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) (متفق عليه) .

صور من رحمة الرؤوف الرحيم -صلى الله عليه وسلم-:

الصفحة التالية