الفرق بين اقتسام ثروة الزوج بعد الطلاق وبين فتوى "الكد والسعاية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولًا: تمهيد:
تتبع الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى في كتابيه: "قانون الأحوال الشخصية"، و"تنظيم الأسرة وتنظيم النسل"، تاريخ قوانين الأحوال الشخصية في بلاد المسلمين عامة "وفي مصر بصفة خاصة"، وبيَّن أن ثمة مطالب بتعديل التشريعات المطبَّقة في هذا الجانب؛ بدأها كرومر مندوب الاحتلال البريطاني في مصر في وقتٍ لم تكن مصر تعرف في كل شئونها إلا المحاكم الشرعية؛ إلا أن هذا لم يمنع كرومر أن يتبجح ويطالب المصريين إن أرادوا اللحاق بركب التقدُّم أن يغيروا التشريعات المطبَّقة، وطالب بتقييد الطلاق، وبمنع تعدد الزوجات، وبرفع سن الزواج، وبأمور أخرى كثيرة.
وتتبع الشيخ كيف تكررت دعوات كرومر عِدَّة مرات -ولكن على أيدي بعض المسلمين الذين احتلت عقولهم- في كل مناسبة يتاح فيها تعديل قوانين الأحوال الشخصية فيمر ما يمر منها ويبقى الباقي؛ يتحينون له فرصة أي تعديل آخر، وبعض هذه التعديلات أقرت برلمانيًّا ثم أبطلتها المحكمة الدستورية لمخالفتها للشريعة، مثل: اعتبار مجرد زواج المتزوج ضررًا لمَن تحت عصمته من الزوجات، يبيح للمرأة طلب الطلاق، ومثل الحكم ببطلان الزواج المفتقر لبعض المطالب الإدارية: كالزواج دون السن القانوني؛ فأبطلت المحكمة القانون ثم عاد البرلمان فقرر الامتناع عن نظر النزاعات الناشئة عن هذا الزواج الى أن يبلغا السن، لكن دون التطرق إلى بطلاق عقد الزواج.
ومن المسائل التي تطرح الآن بقوة: مسألة اقتسام مال الزوجين عند الطلاق؛ لا سيما مع اشتباهها بفتوى "الكد والسعاية"؛ التي يفتي بها بعض علماء المالكية في بعض مناطق بلاد المغرب، وهذه مناقشة لهذه الفكرة الغربية وحكمها، وبيان الفرق بينها وبين فتوى الكد والسعاية.
ثانيًا: اقتسام مال الزوجين عند الطلاق أو تقرير نسبة للزوجة منهج غربي مخالف للنصوص والإجماع، ويتبيَّن هذا من خلال النقاط الآتية:
1- من محاسن الشريعة الإسلامية أنها اعتبرت أن لكل من الزوج والزوجة ذمة مالية مستقلة.
2- ومبدأ المهر يؤكد هذا؛ فهو شيء يدفعه الزوج من ماله إلى الزوجة ويصبح ملكًا لها.
وفوق هذا أوجبت الشريعة على الزوج النفقة على زوجته وإن كانت ذات مال، قال تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"، ولا يجوز للرجل أن يأخذ من مالها شيئًا إلا بطيب نفس منها: "فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا"، ومِن ثَمَّ شرع للمرأة أن تتصدق من مالها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن"، وأما إذا تصدقت من مال زوجها المأذون لها فيه؛ فله الأجر بصفته صاحب المال، ولها الأجر بصفتها مَن باشرت الصدقة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أنفقت المرأةُ من طعام بيتِها غير مفسدةٍ كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضُهم من أجر بعضٍ شيئًا"، بل ومن الممكن أن تتصدق على زوجها، فعن زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله، أيجزئ عنا أن نجعل الصدقة في زوج فقير، وأبناء أخ أيتام في حجورنا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك أجر الصدقة، وأجر الصلة".
والخلاصة: أن انفصال الذمة المالية للزوج عن زوجته أمر مجمع عليه.
3- وهذا يخالف ما درج عليه الغرب، والذي يعتبر أن عقد الزواج كما لو كان متضمنًا عقد شركة؛ فيعتبر أن نماء مجموع ثروتي الزوج والزوجة هو ملك لهما مناصفة! وبالتالي: لا مجال لوجوب مهر على الرجل، ولا وجوب نفقة عليه؛ فالنفقة من مجموع كسبهما كما أنه لا مجال أن يدفع نفقة حضانة لها إن انفصلا؛ لأن النفقة هنا يدفعها الطرف الأعلى دخلًا إلى الأقل دخلًا مدى الحياة، وبالتالي يحدث كثيرًا أن تدفع المرأة للرجل.
4- يحلو للبعض أن يظهر تعاطفًا مع المرأة من باب أن ضعفها الفطري يحتاج إلى مساندة تشريعية وتنفيذية، ولهؤلاء نقول: إننا لن نكون أكثر رحمة بالنساء مِن خالقهن عز وجل، وعند التأمل في كل مسألة؛ سنجد أن الحكم الشرعي يجبر ضعف المرأة بيسر وسهولة، وبلا تعقيد تشريعي.
ومن ذلك مثلًا: اشتراط الولي في النكاح؛ فهو جبر لضعف المرأة لا العكس؛ لا سيما ووجوده لا يلغي، بل ولا يزاحم إرادتها، وفي المسألة التي نحن بصددها لن تجد مساندة تشريعية أفضل مِن حفظ مالها عليها، وزيادته لها بالمهر وعدم إلزامها بإنفاق شيء منه، في مقابل التشريعات الغربية المبنية على حالة الاختلاط المالي بين الزوجين؛ لا سيما إذا استصحبنا أن الضعف العام للمرأة في مقابل الرجل سيجعلها في الأعم الأغلب مغبونة في هذا الباب، ثم إنها إن كانت أكثر دخلًا ستكون مطالَبَة بالإنفاق عليه طيلة حياته!
ولكن دعاة تمكين المرأة يحاولون أن يضعوا القوانين التي تتيح للمرأة فقط أن تأخذ جزءًا من ثروة الرجل عند الطلاق، وهذا لا يتفق مع الشريعة الإسلامية، والتي قررت كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه"، كما أنه لا يتفق مع القوانين الغربية التي ينقلون عنها، وبالتالي فإن تقرير حكم عام أن للمرأة نسبة كذا من ثروة الزوج عند الطلاق هو أكل صريح لأموال الناس بالباطل، وفتح لباب الصراع في المجتمع.
والبعض يرى أن مثل هذا التشريع يمكن تمريره استنادًا إلى فتوى "الكد والسعاية"، والواقع أن الخلاف بينهما كبير وجذري، كما سنبيِّن في الفقرات التالية بإذن الله.
ثالثًا: العُرف وعلاقة فتوى حق الكد والسعاية به:
