الفرق بين اقتسام ثروة الزوج بعد الطلاق وبين فتوى "الكد والسعاية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العرف مصدر من مصادر التشريع في الجملة؛ لأن الشرع أحال إليه في مواطن متعددة، مثل قوله تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، وقد قيَّد كلُّ مَن قال بحجية العرف ذلك بقيود، على رأسها: عدم مخالفة أحكام الشريعة؛ لأن اعتماد العرف المخالف للشرع هو نوع من الحكم بغير ما أنزل الله حتى لو كان هذا العرف يمنع ما أباحه الله؛ فإن اعتقاد حل الحلال واجب، وإعطاء أحد حق تحريم الحلال هو نوع من اتخاذه ربًّا مِن دون الله، كما في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"، فقال له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يُحَرِّمُونَ ما أحل الله فتُحَرِّمُونَهُ؟ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ الله فتُحِلُّونَهُ؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم".
ويتضح الأمر أكثر ببيان الميادين التي يعمل فيها بالعرف والتي يمكن إجمالها في ثلاثة ميادين:
الأول: تفسير بعض النصوص المجملة بالعرف السائد في زمن نزول التشريع: كالصاع، والدينار والدرهم، فالعبرة بالصاع الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم، وكذلك الدينار والدرهم، وغيرها من المقاييس.
الثاني: تحديد الأمور التي أطلقها الشرع بالعرف: كنفقة الزوجة، ونفقة المطلقة، ونحوها.
الثالث: اعتبار بعض الأمور التي يتعارف عليها الناس في معاملاتهم في مقام الشروط التعاقدية، وهو ما يعبِّر عنه العلماء بقولهم: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"، وهذا النوع يعتبر في الأمكنة والأزمنة التي شاع فيها هذا العرف ولا يتعداها إلى غيرها.
ومن هذا الباب: انفرد علماء المالكية في بعض القرى المغربية بفتوى عُرِفت باسم: "فتوى الكد والسعاية"، وبقيت هذه الفتوى يقضى فيها في القضاء الشرعي منذ القرن العاشر الهجري في المناطق الشمالية من بلاد المغرب دون غيرها من بلاد المغرب؛ فضلًا عن غيرها من بلاد المسلمين، حيث نص مَن أفتى بهذه الفتوى على أنها مبنية على عرف خاص بهذه البلاد، ويعنون بالعرف هنا: مع تعارف عليه أهل هذه البلاد أن الاشتراك الفعلي في تكوين أو تنمية الثروات العائلية؛ سواء كان بين أب وأبنائه، أو بين زوج وزوجته، أو زوج وزوجته وأبنائهم، أو أي صورة أخرى؛ ستقوم مقام عقد المشاركة الصريح، وفي العصر الحديث طالب البعض بتعميمها؛ لا سيما مع شيوع مساهمة الزوجة في نفقات الأسرة.
تعريف الفقهاء المغاربة لحقِّ الكد والسعاية وضوابط تطبيقه، وعُرف صاحب بحث: "حق الكد والسعاية محاولة في التأصيل"
يمكن تعريف حق الكد السعاية بأنه: "حق شخصي، يقوم على أساس مساھمة السعاة في إطار شركة عرفية على تنمية الثروة الأسرية أو تكوينھا، مقابل استحقاقھم جزءًا مِن المستفاد، يتناسب وقدر مساھمتھم حين إجراء القسمة، وكل ذلك يتم وَفْق مقتضيات العرف المحلي وقواعده".
وبهذا يتبين الآتي:
1- أنها لا يمكن إعمالها إلا في الأماكن التي يشيع فيها هذا العرف.
2- أنها لا تختص بالزوجة مع زوجها.
3- أنه لا علاقة لها بالطلاق ولا بالوفاة؛ لا سيما مع ما أوضحناه في النقطة السابقة، بل الأمر يكون عند المطالبة، ويزيد في حق الزوجة المنطبق عليها شرط الكد والسعاية بأنه يكون عند الطلاق أو الوفاة؛ بالإضافة إلى المطالبة.
4- أنه لا تكون نسبة من المال المتكون إلا في حالة العمل الذي أوجد ثروة، مثل: استصلاح الأراضي، وأما ما كان مساهمة الأقارب فيه هو نوع من العمل في تنمية أصل قائم؛ فلهم عند المطالبة أجرة المثل، وليست نسبة وكتب المالكية تفرِّق بين الحالتين بوضوح.
5- لم يدرج أحد من المالكية ولا غيرهم ما تنفقه المرأة في بيت زوجها من مالها تحت فتوى الكد والسعاية بحالٍ من الأحوال؛ وذلك لأن هذه المسألة من المسائل الفقهية التي بحثتها المذاهب الفقهية بعيدًا عن هذا العرف المغربي الخاص.
6- وخلاصة القول: إن إنفاق المرأة في بيت زوجها من مالها لا يمكن قط أن يُخَرَّج على كونه شراكة ضمنية أو إجارة ضمنية كما هو حال العمل في مال الزوج الذي تعلقت به فتاوى الكد والسعاية، بل تخريجه الفقهي؛ إما أن يكون هبة أو قرضًا، والهبة لا ترد، والقرض يرد بذات القيمة، والأصل فيه أن تعلن هي صراحة: هل ما تنفقه من مالها هبة أم قرضًا؟
ومِن ناحية الديانة: لا يجوز لها أن تنفق بنية الهبة؛ فإذا مات زوجها أو طلقها تعود في هبتها، فالعائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.
7- وأما من جهة القضاء: فإن كانا لم يتفقا: هل ما تنفقه من مالها يكون هبة أم قرضًا، ثم ادَّعت هي أنه قرض؛ فتطبق قواعد الدعاوى والبينات، كما يكون للعرف هنا مدخل لتحديد أي من الخيارين.
ومن هنا وممَّا قدَّمناه في شأن بطلان مبدأ تقاسم الأموال بعد الطلاق، يتبيَّن خطأ وخطورة اقتراح قانون تقاسم الثروة بكل صيغه وصوره التي اُقتُرِحَت.
مناقشة اقتراح الاتفاق المسبق في عقد الزواج على نسبة المرأة من مال الزوج حال الطلاق:
قد قُدِّمت بعض الاقتراحات بأن تجعل في وثيقة الزواج مادة للاتفاق على النسبة التي تحصل عليها المرأة في حالة الطلاق من مال الزوج، وهذا بهذه الصورة أيضًا بعيد كل البُعد عن فتوى الكد والسعاية، بل هو عين التشريعات الغربية؛ وذلك لاعتباراتٍ، منها:
أن فتوى الكد والسعاية تفترض أمرين:
الأول: أن الشركة قامت عرفيًّا ومَنَع الحرج من إتمامها في صورة عقد صريح؛ نظرًا للعلاقة العائلية سواء كانت أبوة أو بنوة أو زواج.
