شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فوائد من قصة قاتل المائة نفس (موعظة الأسبوع)

صوت السلف • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- الإشارة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستخدم القصص في الدعوة والتربية؛ لما له من عظيم الفائدة على النفوس والقلوب: قال -تعالى-: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الأعراف: 176) .

- هذه قصة تفتح باب الأمل لكلِّ عاصٍ مهما عظم ذنبه، وكبر جرمه: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ علَى راهِبٍ، فأتاهُ فقالَ: إنَّه قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ به مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ علَى رَجُلٍ عالِمٍ، فقالَ: إنَّه قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَن يَحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاعْبُدِ اللَّهَ معهُمْ، ولا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ، فإنَّها أرْضُ سَوْءٍ، فانْطَلَقَ حتَّى إذا نَصَفَ الطَّرِيقَ أتاهُ المَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيه مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، فقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جاءَ تائِبًا مُقْبِلًا بقَلْبِهِ إلى اللهِ، وقالَتْ مَلائِكَةُ العَذابِ: إنَّه لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فأتاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بيْنَهُمْ، فقالَ: قِيسُوا ما بيْنَ الأرْضَيْنِ، فَإِلَى أيَّتِهِما كانَ أدْنَى فَهو له، فَقاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أدْنَى إلى الأرْضِ الَّتي أرادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ) قالَ قَتادَةُ: فقالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لَنا، أنَّه لَمَّا أتاهُ المَوْتُ نَأَى بصَدْرِهِ. (متفق عليه) .

- شرح مجمل للقصة، ثم الإشارة إلى الدروس والعِبَر.

(1) بيان سعة رحمة رب العالمين:

- سعة رحمة الله بقبول توبة التائبين، مهما كثرت ذنوبهم، وعظم جرمهم، وكثرت خطاياهم (1) : ففي القصة يظهر إقبال الله الغني الحميد على الرجل بالغفران والصفح والتوبة، حتى غيَّر له نواميس الكون: ففي بعض الروايات: ( فأوْحَى اللَّهُ إلى هذِه أنْ تَقَرَّبِي، وأَوْحَى اللَّهُ إلى هذِه أنْ تَباعَدِي، وقالَ: قِيسُوا ما بيْنَهُما، فَوُجِدَ إلى هذِه أقْرَبَ بشِبْرٍ، فَغُفِرَ له ) (رواه البخاري) ، وفي أخرى: ( فَقَرَّب اللهُ مِنْهُ القَرْيَةَ الصَّالِحَةَ، وبَاعَدَ مِنْهُ القَرْيَةَ الخَبِيْثَةَ، فَأَلْحَقُوه بِأَهْلِ القَرْيَةِ الصَّالِحَة ) (رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده صحيح) .

- بيان سعة رحمة رب العالمين هو الدرس الأعظم والأسمى من القصة: قال -تعالى-: ( ‌وَرَحْمَتِي ‌وَسِعَتْ ‌كُلَّ ‌شَيْءٍ ) (الأعراف: 156) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وقال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى: 25) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( التَّائبُ مِنِ الذَّنبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران: 135) .

- لا تيأس ممَّن أكثروا مِن المعاصي، فقلوبهم بيد خالقهم، ولعله يتوب عليهم: قال -تعالى- معاتبًا نبيه يوم أُحُد لما أيس من إيمان المشركين: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران: 128-129) ، وعن أنس -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‌كُسِرَتْ ‌رَبَاعِيَتُهُ ‌يَوْمَ ‌أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (آل عمران: 128) (2) . (قصة الشاب الأمريكي الأسود الذي أسلم ليلة وفاته بعد صلاة الفجر في المسجد، وتلاوته لسورة الإخلاص أمام المصلين، امتثالًا لحديث: ( بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً ) (رواه البخاري) ، الذي سَمِعَه ممَّن دعاه إلى الإسلام ليلة وفاته -رحمه الله-).

- بل لا يبعد في كرم الله -تعالى- ورحمته -إذا صحت توبة العبد وصدقت-، أن يضع مكان كل سيئة حسنة: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْها، رَجُلٌ يُؤْتَى به يَومَ القِيامَةِ، فيُقالُ: اعْرِضُوا عليه صِغارَ ذُنُوبِهِ، وارْفَعُوا عنْه كِبارَها، فَتُعْرَضُ عليه صِغارُ ذُنُوبِهِ، فيُقالُ: عَمِلْتَ يَومَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، وعَمِلْتَ يَومَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، فيَقولُ: نَعَمْ، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْكِرَ وهو مُشْفِقٌ مِن كِبارِ ذُنُوبِهِ أنْ تُعْرَضَ عليه، فيُقالُ له: فإنَّ لكَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فيَقولُ: رَبِّ، قدْ عَمِلْتُ أشْياءَ لا أراها هاهُنا )؛ فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ. (رواه مسلم) .

(2) شروط التوبة الصادقة:

الصفحة التالية