فوائد من قصة قاتل المائة نفس (موعظة الأسبوع)
صوت السلف • المنهج السلفي
- هذه الفائدة من باب التنبيه؛ لئلا يظن بعض الناس أن الرجل كان يجرِّب طريق التوبة! لا، بل كان الرجل صادقًا في توبته، ولذلك ظهرت في أحواله شروط التوبة الصادقة.
أ- الإقلاع عن المعصية (3) : (وهو ظاهر في حال الرجل، فإنه لم يضيع وقته، فقد مضى إلى تلك الديار، يطلب حياة جديدة، يطلب حياة الطهر والصلاح والاستقامة، ليغسل نفسه من قذر الذنوب، ويحييها بالطاعة والصلاح).
ب- الندم على ما سَلَف في الماضي، فلا يتذكر المعصية إلا تندمًا وانكسارًا وخوفًا (4) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: ( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ) (رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له، وصححه الألباني) ، وقال عبد الله بن مسعود: "إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه، وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه" (رواه الترمذي وأحمد واللفظ لهما، ورواه البخاري، باختلافٍ يسيرٍ، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم -: ( كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ... ) (متفق عليه) .
ت- العزم الجازم على عدم العودة (5) : (وهذا ظاهر في توبة الرجل، فلشدة رغبته في التوبة وندمه على ما كان، وعزمه البُعْد عن المعصية وأسبابها، فإنه عندما وصل لمنتصف الطريق، وأدرك أنه دنت ساعته، نَاء بصدره جهة الأرض الطيبة، ومات مُقْبِلًا على الله، تاركًا وراءه متبرئًا من حياة مليئة بالذنوب والخطايا).
ث- رد الحقوق إلى أهلها، إذا كانت التوبة متعلقة بالمخلوقين: (وفي ذلك فقه يرجع فيه إلى العلماء في طريقة ذلك بحسب ظروف المسألة).
(3) فضل العلم والعلماء:
- هذا ظاهر في القصة بشدة، فإن الرجل لم يكن ليستطع أن يفتي نفسه، فمثله مِن الغرقى في الذنوب لا عِلْم عندهم؛ ولذا خَرَج يبحث عن عالم يفتيه، وهو يعلم أن مسألته عظيمة، لا يستطيع أن يفتيه فيها إلا مَن عَظُم عِلْمُه؛ ففي القصة: ( فَسَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ... ).
- وفي ذلك بيان فضل العلم والعلماء، فلم يكن هذا الرجل عالمًا فحسب، بل كان مربيًا ومرشدًا كذلك؛ فلم يكتفِ بإجابته بأن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، بل دَلَّه على الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه: ففي القصة: ( ومَن يَحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ... )، وقال -تعالى-: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة: 11) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر: 28) .
- أما العُبَّاد فهم قليلو العلم يُخدع بأمثالهم العوام، ويُخطئ كثيرٌ مِن العُبَّاد ويَنخدِعون بإقبال الناس على سؤالهم، فيفتون بغير علم، فيضرون بأنفسهم وبغيرهم: ففي الحديث: ( ... فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ به مِئَةً )، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إِثْمُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَفْتَاهُ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، ورُوي في الأثر: "أجرؤكم على الفُتيا أجرؤكم على النار" (رواه الدارمي في مسنده، وضعفه الألباني) ، وعن نافع: "أن رجلًا أتى ابن عمر يسأله عن شيء، فقال: لا علم لي، ثم التفت بعد أن قفى الرجل، فقال: نِعم ما قال ابن عمر، يسأل عما لا يعلم، فقال: لا علم لي، يعني ابن عمر نفسه" (رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، والدارمي في السنن، والحاكم في المستدرك على الصحيحين) .
- القصة تُظهِر فضل العالم على العابد، وأن العابد ينبغي أن يسعى مع اجتهاده في التعبد، أن يطلب العلم، ولا يغتر بثناء العوام عليه، واغترارهم بتعبده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: ( فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وفي رواية أبي داود: ( وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِب ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
خاتمة:
- الإشارة إلى الدروس المستفادة إجمالًا؛ لا سيما الدرس الأول.
نسأل الله أن يتوب علينا في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يحسن الوقوف على هذا المعنى من خلال الإشارة إلى عظيم فجور الرجل وجرأته على سفك الدماء، إلى درجة أنه يقتل مَن لا يوافقه فيما يريد، كما كان مِن قتله العابد.
(2) يحسن الإشارة إلى أن عامة المشركين الذين قَاتَلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد أسلموا بعد ذلك، ومِن أبرزهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وهند بنت عتبة، وأبو سفيان بن حرب.
(3) فلا يكون ذلك عن عجز وعدم قدرة، كالمدخن الذي منعه المرض، وكالمتبرجة التي سترت عورتها بعد تشوهها من حريق، فلا بد من تصحيح نية التوبة.
(4) لا أن يذكرها تباهيًا، فهو كحال الذين يجاهرون بالمعاصي التي سترها الله عليهم.
(5) كالذي امتنع عن المحرمات في شهر رمضان ناويًا الرجوع إليها بعد رمضان.
