الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (78) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (6)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله تعالى: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (النساء: 123-125) .
الفائدة الرابعة: دَلَّ قوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) على شرط الإيمان في قبول العمل، وأن العمل لو كان صالحًا لا يقبل إلا مع الإيمان؛ فالشروط ثلاثة في قبول العمل:
الأول: أن يكون صوابًا موافقًا للسنة.
الثاني: أن يكون خالصًا لله.
الثالث: أن يكون صاحبه مؤمنًا.
وقد يظن البعض أن شرطَ الإخلاص هو شرط الإيمان، وليس كذلك؛ فقد يكون العمل صالحًا، مثل: بر الوالدين أو الإحسان إلى الفقراء كما يفعله كثيرٌ مِن المنصِّرين في إفريقيا، وغيرها، وقد يكون صاحبه يريد الثواب من الله لا يريد الرياء والسمعة، ولكنه ينتقِض عنده ركنٌ مِن أركان الإيمان كمَن قال: اتخذ الله ولدًا، أو اعتقد أن الأنبياء والملائكة أرباب، قال الله تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران: 79-80 ) .
وكمَن يعتقدون أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مدبرُ الأكوان كما يقوله مَن يقوله مِن الصوفية الغلاة، أو مَن يعتقد أن عليًّا مدبر الأفلاك كما يقوله مَن يقوله مِن الشيعة، ولا يغني عنهم اعتقادهم أن هذا بإذن الله؛ فهذا قد قاله المشركون الذين كَفَّرهم الله عز وجل، وكَفَّرهم رسوله صلى الله عليه وسلم، حين قالوا في تلبيتهم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك؛ إلا شريكًا هو لك، ملكته وما مَلَك"؛ فلم ينفعهم ذلك، ثم هذا مِن القول على الله بغير علمٍ، وافتراء الكذب على الله، قال الله عز وجل: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف: 33 ) ، فجعل القول على الله بغير علمٍ بعد الشرك لشِدَّة غلظه؛ خاصة إذا كان ذلك متعلقًا بالله، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته، وقال عز وجل: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) (الأنعام: 21) .
وأما الاحتجاج بقوله تعالى: ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (النازعات: 5 ) ؛ فإن تدبيرَ أمرٍ مِن الأمور بأمرٍ مِن الله تعالى لا يعني بحالٍ أن يكون مَن يفعل هذا يدبِّر الأكوان، فنحن ندبِّر أمور معاشنا وحياتنا، ونرتِّب مصالحنا، مع التوكل على الله تعالى؛ فهل يصح أن نقول عن أنفسنا: إننا ندبِّر الأكوان؟! فتدبير الملائكة لأمرٍ مِن الأمور لا يعني أنها تدبِّر الأكوان، فتدبير الأمر، أو تدبير الكون غير تدبير أمرٍ مِن الأمور، فالعموم في كلمة الأمر، والعموم في كلمة الأكوان، بتدبير الأمر فيها، لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) (يونس: 31 ) ؛ فقد أقرَّ المشركون بأن الله عز وجل هو الذي يدبِّر الأمر أفيجوز لمسلمٍ أن يكون أسوأ اعتقادًا مِن المشركين الذين أشركوا في الإلهية بأن يعتقد أن غير الله يدبِّر الأمر، أفلا يتقون الله عز وجل في قولهم هذا الذي هو أفظع مِن الشرك الذي كان عليه المشركون؟!
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإيمان وأركانه في حديث جبريل لما سأله عن الإيمان، فقال: ( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) (رواه مسلم) ، فمَن فَقَد ركنًا مِن هذه الأركان بالكلية بحيث زال مِن أصله؛ فَقَد أصلَ الإيمان، فلا يُقبَل منه عمل صالح ولو كان خالصًا، فالإيمان بالله هو الإيمان به عز وجل ربًّا وإلهًا لا شريك له في ربوبيته ولا إلهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته؛ فإنكار وجود الله سبحانه كالملاحدة مهما عملوا من خيرٍ للبشرية وقدَّموا من أعمال انتفعت بها الإنسانية، يخلَّد صاحبه في النار ويحرمه الجنة.
