شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (78) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ومَن قال: اتخذ الله ولدًا لم يكن مؤمنًا بالله عز وجل، بل مشركًا؛ قال الله تعالى: ( ‌وَقَالَتِ ‌الْيَهُودُ ‌عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة: 30-31 ) ، وقال تعالى: ( ‌وَقَالُوا ‌اتَّخَذَ ‌الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم: 88-95 ) .

وقال الله سبحانه وتعالى: ( ‌ قَاتِلُوا ‌الَّذِينَ ‌لَا ‌يُؤْمِنُونَ ‌بِاللَّهِ ‌وَلَا ‌بِالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة: 29 ) ، مع أن أهل الكتاب يقرون بوجود الله؛ فدلَّت الآية على أن الإيمان ليس مجرد الإقرار بوجود الله فحسب، بل بتوحيده بأنواع التوحيد؛ ولذا كان اليهود والنصارى غير مؤمنين إيمانًا مقبولًا عند الله عز وجل؛ بسبب ادِّعاء الصاحبة والولد لله عز وجل، وبسبب تكذيب كُتُب الله التي هي كلامه، وبسبب تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا عدم إيمانهم باليوم الآخر؛ لأنهم وإن أقروا بوجود اليوم الآخر إلا أنهم أنكروا مِن أنواع النعيم في الجنة، ومِن أنواع العذاب في النار ما وَرَد في كتاب الله عز وجل وكُتُبه المتقدِّمة، فكانوا كفارًا بذلك كما قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في قوله: ( قُلْ ‌هَلْ ‌نُنَبِّئُكُمْ ‌بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف: 103-105) ، فقال: هم اليهود والنصارى؛ أما اليهود فكفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب".

وكذا مَن قال: إن الله عز وجل إنسانٌ بعينه فقد كَفَر، وحُرِّمَت عليه، الجنة وخُلِّد في النار؛ قال الله تعالى: ( ‌لَقَدْ ‌كَفَرَ ‌الَّذِينَ ‌قَالُوا ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌هُوَ ‌الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة: 72 ) .

وأشد شركًا وكفرًا مِن هؤلاء: القائلون بوحدة الوجود، وأن كلَّ البشر، وكل الحيوانات، وكل الجمادات، وكل شيء في الوجود، شيء واحد هو الله! كما قال ابن الفارض:

وَإِنْ خَرَّ لِلْأَحْجَارِ فِي الْبِيدِ عَاكِفٌ … فَلَا تَعْدُ ‌بِالْإِنْكَارِ ‌بِالْعَصَبِيَّةِ

وَإِنْ عَبَدَ النَّارَ الْمَجُوسُ وَمَا انْطَفَتْ … كَمَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ مُذْ أَلْفِ حَجَّةِ

فَمَا عَبَدُوا غَيْرِي وَمَا كَانَ قَصْدُهُمْ … سِوَايَ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوا عَقْدَ نِيَّةِ

وَمَا عَقَدَ الزُّنَّارُ حُكْمًا سِوَى يَدِي … وَإِنْ حَلَّ بِالْإِقْرَارِ لِي فَهْيَ بَيْعَتِي

وكما قال ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلًا كلَ صُورةٍ ... فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبَانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ ... وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ ... ركائبهُ، ‌فالحبُّ ‌ديني ‌وإيمَاني

ومَن كفر برسولٍ مِن الرسل أو مَلَك مِن الملائكة بتكذيب أو بغض، لم يَقْبَل الله منه عملًا، قال تعالى عن اليهود الذي قالوا: إن جبريل عدونا من الملائكة: ( ‌قُلْ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌عَدُوًّا ‌لِجِبْرِيلَ ‌فَإِنَّهُ ‌نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) (البقرة: 97-98 ) ، وقال تعالى: ( ‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْفُرُونَ ‌بِاللَّهِ ‌وَرُسُلِهِ ‌وَيُرِيدُونَ ‌أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء: 150-151 ) .

ومَن كَذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو أشد كفرًا مِن كل مَن كذَّب الرُّسُلَ قبل ذلك، ومَن كذَّب رسولًا واحدًا؛ فقد كذَّب بجميع الرسل، ومَن كفر بكتاب أنزله الله فقد كفر بجميع الكتب، وكفر بالله سبحانه وتعالى الذي تكلَّم بهذه الكتب، ومن كفر باليوم الآخر وأنكر شيئًا مما أتت به الرسلُ مِن المعلوم من الدِّين بالضرورة عما يكون في يوم القيامة، وما في الجنة وما في النار؛ لم يُقبَل منه عمل ولو كان صالحًا، ولو ابتغَى به وجهَ الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن ابن جدعان، وقد كان في الجاهلية يقري الضيف، ويعتق الرقاب هل ينفعه ذلك: ( لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي ‌خَطِيئَتِي ‌يَوْمَ ‌الدِّينِ ) (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية