السينما العالمية في قبضة الصهيونية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عملت الصهيونية العالمية مبكرًا وبقوة على استغلال السينما العالمية لخدمة أغراضها وأطماعها؛ إدراكًا منها لأهمية وتأثير السينما في تشكيل الفِكْر والوجدان على مستوى العالم؛ ولذا نجد أن نشاط الصهيونية في مجال السينما بدأ مبكرًا جدًّا حتى قبل ظهور وعد بلفور؛ يتمثَّل ذلك في إنتاج فيلم: (حياة اليهود في أرض الميعاد) في عام 1912، والفيلم يتحدث عن حلم اليهود في أرض فلسطين.
وفي عام 1923 كان ظهور الفيلم الشهير: (الوصايا العشر)، والذي استمد مادته من العهد القديم مضافًا إليه تحريفات مِن صُنْع دعاة الصهيونية؛ لتطويع دراما الفيلم لخدمة أهداف الصهيونية.
بينما جاء الفيلم الأمريكي (هذه أرضي) في عام 1932؛ ليكون أول فيلم ناطق باللغة العِبْرية للترويج لحق اليهود المزعوم في أرض فلسطين، وليكون مؤكِّدًا على ضرورة توجُّه الشباب اليهودي إلى أرض الميعاد.
وهناك الفيلم البولندي الصهيوني: (صابرا) الذي ظهر عام 1933 متناولًا قضية المهاجرين الشبان من اليهود إلى أرض فلسطين، بينما في بريطانيا تم إنتاج فيلم: (الرقم 24 لا يجاوب) عام 1949، والذي تناول نشاط العصابات الصهيونية المسلحة في فلسطين، كما تعرَّض لنشاط المخابرات الإسرائيلية العسكرية ضد العرب الآمنين.
وفي هوليوود في فترة الخمسينيات أنتجت الصهيونية العديد من الأفلام، منها: (الخروج)، و(يوديت)، و(راحيل)، و(ظل العملاق)، وغيرها، وهي أفلام تتبنى علانية الفكرة الصهيونية العنصرية، وتدعو بشكلٍ واضحٍ إلى التبرع بالمال لدعمها، وتنادي بهجرة اليهود إلى أرض الأجداد الموعودة بزعمهم.
وفي عام 1969 تم في بريطانيا إنتاج فيلم: (هذه أرضه) الذي يبرر وَفْق المخطط الصهيوني حق إسرائيل في ضم الأراضي العربية!
وفي عام 1982 تم عرض فيلم تليفزيوني أمريكي طويل من جزئين بعنوان: (امرأة تُدْعَى جولدا)، وهو فيلم يؤرِّخ ويمجِّد لحياة (جولدا مائير) رئيسة وزراء إسرائيل السابقة.
وفي بداية الألفية الجديدة كان فيلم (الرحيل نحو الشرق) الذي يروي لحظات البداية في فلسطين، ويحكي من جديد قصص جيل اليهود الرواد الذين ساهموا في تأسيس دولة إسرائيل، ويصوِّر حياة المهاجرين الأوروبيين اليهود إلى أرض الميعاد، الناجين الخائفين الفارين من معسكرات اعتقال النازي في أوروبا إلى أرض فلسطين؛ فهو واحد من سلسلة أفلام طويلة أُنتِجَت على مدار عقودٍ خلال القرن العشرين وبعده؛ لاستدرار عطف الرأي العام العالمي نحو اليهود، وتقوية شعور الغرب بالذنب تجاه ما ارتكبه النازيون من مجازر مبالغ فيها ضد اليهود (راجع في ذلك كتاب: "السينما العالمية المعاصرة: ظواهر واتجاهات وأساليب" تأليف أ. د. وليد سيف - سلسلة أفاق السينما - الهيئة العامة لقصور الثقافة - ط. 2021، ص 111 - 115) .
قال د. وليد سيف: (من هذه الإطلالة السريعة، وباستعراض بعض نماذج الأفلام العالمية التي تناولت القضية؛ سنُلاحِظ أن: الدعاية الصهيونية استطاعت أن تفرض نفسها على الساحة السينمائية، وأن تواجد وجهة النظر العربية لم تظهر إلا مؤخرًا، وكان غالبًا بفضل الفلسطينيين أنفسهم، وأن هذا التواجد يبقى قاصرًا على قطاع محدود من جمهور المهرجانات والمثقفين السينمائيين، ويصعب أن تجد له مكانًا في دور العرض التجارية والأوروبية والأمريكية).
وأضاف: (تبث نشرات الأخبار ليل نهار صور جرائم الإسرائيليين وما يرتكبونه من مذابح ومجازر ضد الفلسطينيين، ولكنها تفشل في التأثير على الرأي العام العالمي بعد أن ترسَّبت في نفوس الأوروبيين والأمريكيين عَبْر عقود طويلة صورة ساهمت السينما في تجسيد ملامحها، وهي صورة تكاد لا تنمحي من الذاكرة؛ صورة اليهودي المسالم الذكي المتحضر، وهو يعاني من محارق النازية التي أجبرته على الفرار إلى أرض الميعاد المزعومة، ليواجه حرب بقاء مع كائنات يرونها غريبة تطلق على نفسها لقب: الفلسطينيين. وهكذا غابت القضية وانقلبت الحقائق وتحولت المزاعم إلى دولة، وغابت عن الوجدان صورة شعب بأكمله مهما ظهرت صور ضحاياه على نشرات الأخبار) (المصدر السابق، ص 115) .
نفوذ الصهيونية في أمريكا:
تطلق الحركة الصهيونية على نفسها اسم: (الصهيونية العالمية)، أو (المنظمة الصهيونية العالمية)، وقد أصبحت الصهيونية ظاهرة أمريكية بالدرجة الأولى لسببين:
- أن الولايات المتحدة تضم أكبر وأقوى جماعة يهودية في العالم.
- أن الولايات المتحدة نفسها هي الراعي الإمبريالي للجيب الصهيوني (انظر موسوعة: "اليهود واليهودية والصهيونية" دكتور عبد الوهاب المسيري - طبعة دار الشروق - المجلد الثاني، ص 330) .
ولليهود في الولايات المتحدة جماعات ضغط قوية (اللوبي اليهودي والصهيوني)، وتشير كلمة (لوبي) بالمعنى المحدد والضيق للكلمة إلى جماعات الضغط التي تسجِّل نفسها رسميًّا باعتبارها كذلك، ولكنها بالمعنى العام تشير إلى مجموعة من المنظمات والهيئات، وجماعات المصالح والاتجاهات السياسية التي قد لا تكون مسجَّلة بشكلٍ رسميٍ، ولكن تمارس الضغط على الحكام وصُنَّاع القرار في البلاد.
وينبغي أن يوضع في الاعتبار: أن توافق المصالح وتوافق الإدراك الغربي والصهيوني هو سرُّ نجاح الصهيونية الإعلامي، ومصدر قوة اللوبي الصهيوني؛ فالإعلام الصهيوني واللوبي الصهيوني يستمدان قوتهما من التوافق الإستراتيجي بين الغرب والصهيونية؛ خاصة بعد ظهور دولة إسرائيل، التي جعلت من نفسها أداة طيعة لتحقيق هذه الإستراتيجية (للتفصيل انظر في ذلك المصدر السابق، ص 327) .
نفوذ الصهيونية في السينما الأمريكية:
